الصفحة 32 من 51

…أولهما: أن المقصود في ذكر الأنواع والصور دون بيان الحدّ والتعريف التامّ لحقائق الأشياء إنما هو تقريبُ صورة الشيء للمخاطب أو المُعرَّف بذاك الشيء أو المستمع عمومًا ، ومن ثم فإنه يَتَنبه بذكر الصورة على النوع والأصل الذي يُراد الاستفسار عنه ، وهذا كافٍ في التقريب .

…وأما الثاني: فهو أن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحدِّ المطابق . وهذه القاعدة يدل على صحتها شيئان:

…أولهما: الحس ؛ ذلك أن الناس عندما يؤتى لهم بذكر التعريفات والحدود للأشياء ربما انشغل المرء بالحروف والكلمات عن ما طوته تلك الحروف والكلمات من المعاني ، فلم يتفهم المقصود . والحس من الدلائل المعتبرة إن كان صادقًا عامًا وهذا كذلك ، وهو مجرب بكثرة .

…وأما الثاني: فهو أن ذكر المثال للفَطِن ، به يتنبه على الأصل ، فوقع به تحقيق المقصود بأسلوب يسير ؛ ذلك أنه اجتمع في هذه الصورة شيئان:

…أولهما: يُسر ذكر التمثيل على الناس ، والناس صغيرهم وكبيرهم يَسهُل عليهم أن يذكروا الأمثلة للأشياء ، لكن السهولة هذه تتأخر عند إرادة حدِّ الشيء وتعريفه ، فلا يَعْرف حدَّ الشيء وتعريفه إلا قلة .

…وأما الثاني: فهو أن الفَطِن إذا ذكر له المثال استَدل به على المقصود فكان كافيًا ؛ فتحقق المقصود .

فقوله: (فإن التعريف بالمثال قد يسهل أكثر من التعريف بالحد المطابق) هو صحيح ، وهذا درج عليه السلف كثيرًا في تفسير كتاب الله ، كما نوَّه إليه المصنف ـ يرحمه الله ـ وله أمثلة ، وقد أشار إلى تفطن العقل بالإشارة بالمثال بقوله: (والعقل السليم يتفطن للنوع كما يتفطن إذا أشير له إلى رغيف فقيل: هذا هو الخبز) .

…وقد قام الخلاف بين المفسرين وغيرهم: هل ذكر الشيء بالمثال صورةٌ أُخرى لخلاف التنوع ، أم أنه داخل في ذكر النوع الذي سبق ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت