فهرس الكتاب
…فإذا فُسِّر الريب بالشك الذي هو جزء معناه ؛ لاتَمَام معناه ؛ كان من غير الترادف والتطابق ، وإنما من باب التقريب ، وبَيّن بعض الأَحاديث الدالة على أن الريب فيه معنى الحركة والاضطراب ، ومن ذلك: قول النبي - صلى الله عليه وسلم - الذي أخرجه الترمذي ، والنسائي ، وأحمدُ في آخرين ، واختُلف في تصحيحه وتضعيفه، وذهب الحافظ ابن رجب ـ يرحمه الله ـ في:"شرحه على أربعينية النووي"إلى تعليل الحديث ، ولكن جمهور متأخري المحدثين ، كالسخاوي وغيره يصححون الحديث .
…وفي قوله: (دع ما يريبك) ضبطان:
…أولهما: يُريبك ، بضم الياء التحتية .
…والثاني:يَريبُك، بفتح الياء التحتية . والثاني هو الأفصح ، وهو
المحفوظ روايةً.
…وأما الحديث الآخر: فما أخرجه النسائي في:"سننه"، والإمام"أحمد"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مرَّ بظبيٍ حاقف ـ أي: التَفَّ بعضه على بعض ـ فقال:
"لا يَرِيبه أحدٌ"أي: لا يحركه أحد ، فهنا (الريب) أتى بمعنى الحركة، وقوله:"دع ما يريبك"أي: ما يتحرك في فؤادك.
…هذا مع هذا يدلان على أن (الريب) ليس مطابقًا لمعنى الشك في الخطاب الشرعي .
…ومن الأمثلة: قول الله: { ذلك الكتاب } حيث جاء تفسيره عند جمهور المفسرين قولهم: هذا الكتاب ، وفرق بين (هذا) و (ذلك) ؛ حيث إن هناك فرقًا بين الإشارة ببُعدٍ وبغيبة، (ذلك) : هذا إشارة إِلى بُعدٍ ، و (هذا) : إشارة إلى قريب ، وفرق بين القرب والبعد في المعنيين .
…و (ذلك) : صالحة ـ وهذا الأصل فيها ـ أن تكون للغيبة لا للحاضر ، خلافًا لـ (هذا) ؛ فـ (هذا) إِشارةٌ إلى موجود حاضر ، فافترقت (ذلك) عن (هذا) من جهتين:
أما الجهة الأولى: فجهة الغيبة والحضور ؛ حيث إن (هذا) دالة على الحضور ليس إِلا ، و (ذلك) محتملة للحضور والغيبة ، والأصل إطلاقها عند غيبة ، فتقول: ذلك زيدٌ الذي رأَيْتَه يا محمد بالأَمس خوانٌ للعِشْرة ، وهذا من ذكر الغيبة .