فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 36

والثاني: ما يسمى بالحديث المبهم:

قوله: (ومبهم ما فيه راوٍ لم يسم) .

(المبهم) : اسم مفعول من الإبهام، وهو ضد الإيضاح، تقول: أبهمت على الناس أمري؛ إذا كان خافيًا غير واضح. وهذا المعنى مقصود هنا؛ إِذْ إِنَّ المبهم هو ذكر راوٍ: غير واضح الاسم أو الشخص.

(لم يُسَم) من التسمية وأصلها (يسمى) وإنما حُذفت الألف المقصورة بمقتضى الإعراب والنظم - لدخول الجزم على المضارع فيه -.

وليُعْلَمْ أن المبهم يأتي على صورتين:

-الأولى: وقوعه في المتن. ويُمثَّل على ذلك بما أخرجه البخاري ومسلم من حديث أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانُوا فِي سَفَرٍ فَمَرُّوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَلَمْ يُضِيفُوهُمْ، فَقَالُوا لَهُمْ: هَلْ فِيكُمْ رَاقٍ؛ فَإِنَّ سَيِّدَ الْحَيِّ لَدِيغٌ أَوْ مُصَابٌ. فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ: نَعَمْ فَأَتَاهُ فَرَقَاهُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. كذا في الصحيحين من رواية الإبهام. إلا أنه قد جاء في» سنن الترمذي «وغيره التصريح بالراقي حيث قال أَبو سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ: فَقَرَاتُ عَلَيْهِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَبَرَأَ. ففي المتن السابق جاء ذكر شخص دون ذكر اسمه وعينه وشخصه وإنما قيل: (فرقاه رجل) فكلمة (رجل) هي إبهام وخفاء، وَمِنْ ثَمَّ يطلب تعينه فلما طلب وجد تعينه في بعض الروايات وأنه أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه -.

-والثانية: وقوع الإبهام في السند. وهو أن يأتي الراوي مبهم الاسم في السند، فيقال: عن رجلٍ عن محمد بن سيرين عن ابن عباس أنه قال: كذا. فأنت ترى أن السند في طبقته الأولى من جهة ما ذكرناه ذُكر فيها راوٍ مبهم بلفظ (رجل) وَمِنْ ثَمَّ يُطْلَبُ تعيينه.

وإنما ذُكِرَ المبهم في أنواع الحديث لمعنيين:

-المعنى الأول: لأن معرفة المبهمات - خصوصًا ما يتعلق بالسند - مهم جدًا في صحة ذلك وضعفه؛ إِذْ إِنَّ الرجل المبهم أو الراوي المبهم في سند من الأسانيد: مجهول الحال. ومن كان مجهول الحال والعين أيضًا اطُّرِحت روايته ولم تُقبَل إلا بعد المعرفة به، هذا هو الأصل. ولكن الإبهام له موقعان في السند:

••أما الأول: فهو أن يأتي في طبقة الصحابة.

••أما الثاني: فهو أن يكون دون طبقة الصحابة كتابعي، وتابع الأتباع ومن دونه.

فإن كان مبهمًا في الموقع الثاني كان سندًا ضعيفًا. وأما الموقع الأول فمعلوم أنه إذا عُلِمَ أنه صحابي؛ فالصحابة عدول ولا يضر الجهل بعينهم إذا عُلِمَت عدالتهم والحال كذلك.

فيتجه الحكم بالضعف على الأسانيد التي كان المبهم فيها غير صحابي، وأما إذا عُلِمَ أن له صحبةً فإنه لا يكون سندًا ضعيفًا إذا توافرت شروط الصحة الأخرى، فلهذه العلة اهتم الْمُحَدِّثونَ يرحمهم الله بالإبهام حيث ذكر الإمام

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت