فهرس الكتاب
النووي يرحمه الله - كما في» اختصار علوم الحديث «- أن المبهم غير مفيد معرفته إلا ما كان في السند، فإن معرفته مفيدة في التصحيح والتضعيف وما إلى ذلك. وأما معرفته في المتن فإن الفائدة منه قليلة.
-المعنى الثاني: أن معرفة المبهم في المتن له فائدة فقهية من معرفة الناسخ والمنسوخ. ولمعرفته طرائق عدة عند الأصوليين، منها: تأخر وتقدم إسلام الصحابي، فإذا عُرِف اسمه في المتن وذُكِر في حديث خالف حديثًا آخر: أُخِذ ذلك الصحابي وعُرِفَ وقت إسلامه وتأخره وتقدمه عن الراوي الآخر الذي روى المتن المخالف.
فهاتان علتان مهمتان لأجلهما اعتنى الْمُحَدِّثونَ يرحمهم الله بالمبهم من الحديث والكشف عنه ولذلك ألفوا في ذلك تآليف كثيرة، من أحسنها: ما صنعه ولي الدين العراقي يرحمه الله في كتابه المسمى بـ» المستفاد من المبهم في المتن والإسناد «وهو كتاب ذو مجلدات، مطبوع معروف.
الحديث العالي والحديث النازل
قال الناظم - يرحمه الله:
وكُلُّ مَا قَلَّتْ رِجَالُه عَلا ... وَضِدُّهُ ذَاكَ الذِي قدْ نَزَلا
في هذا البيت ذكر لنوعين من أنواع الحديث:
أولهما: ما يسمى بالحديث العالي:
والعالي ضد النازل، مأخوذ من العلو وهو الارتفاع، ويُعرَف في اصطلاح الْمُحَدِّثِينَ: بأنه الحديث الذي قلَّّت رجال سنده إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. هذا هو التعريف المشهور عند الْمُحَدِّثِينَ وإليه أشار الناظم يرحمه الله في البيت السابق.
إلا أن علو السند يأخذ أشكالًا عند أهل التحقيق من أهل الحديث كالحافظ ابن حجر والسخاوي - يرحمهم الله -.
· الأول: أن يكون علوًا متعلِّقًا بِالنَّبِي - صلى الله عليه وسلم -، فهو حديثٌ عالٍ لقلة رجاله إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. وهذا هو المشهور عند الْمُحَدِّثِينَ؛ ولذلك أخرج الخطيب في» شرف أصحاب الحديث «، وكذا السمعاني في» أدب الإملاء والاستملاء «عن الإمام أحمد يرحمه الله أنه قال: ''طلب علو الإسناد من السنة ''.
وقد كان مَنْ عند عبد الله - يعني ابن مسعود - يأتون من الكوفة إلى المدينة حتى يسمعوا عمر؛ وذلك ليطلبوا