وقد وضح الله تعالى لنا السبيل في كتابه الكريم قائلا: (( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ) [1] فالعبودية لله تعالى وحده لا شريك له هي الهدف العملي للمؤمن في هذه الحياة الدنيا وبها وحسب قوتها ينال المؤمن الدرجات العلا في الآخرة.
وكما هو معروف لدي المبتدئ في دراسة العقيدة السلفية العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله تعالى ويرضاه من الأعمال والأقوال الظاهرة والباطنة. فليست العبودية مقصورة على الصلاة والزكاة والصوم والحج بل من العبادة الجهاد في سبيل الله والحب في الله والبغض في الله والدعوة إلى الله ورد المظالم والقضاء والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
ويدخل كذلك في اسم العبادة من باب أولى العمل الذي يعتبر بمثابة رأس الأمر كله ... ألا وهو السعي لإعادة النظام اللازم لإقامة كل هذه الواجبات: الخلافة الإسلامية الراشدة. وهو من أوجب الواجبات وهو أول عمل قام به الصحابة رضوان الله عليهم بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم. وحتى من أجل هذا العمل العظيم أخروا دفن جنازته الكريمة صلى الله عليه وسلم. والأدلة على هذه الغاية وعلى أنها ركن ركين لهذا الدين لا تحصى ولا تعد.
وهنا نقطة مهمة: وهي أنه لا بد من تحديد الرؤية وكذلك الاستراتجية وكل خطوة من خطوات العمل حسب مقتضى الشرع. ولا أقصد بذلك أن نسوق دليلا أو آخر لمجرد الاستأناس. بل لا بد أن يكون الدليل الشرعي هو الحاكم الأول في الاختيار (( وإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا ) ) [2] . وللأسف غلب على كثير منا النظر إلى الواقع والتعاليم العسكرية والسياسية قبل النظر في ما يجب علينا شرعا أو ما يحرم علينا شرعا. وإليك بعض الأدلة على وجوب إقامة الخلافة من الكتاب (إعلام الأنام بميلاد دولة الإسلام) [3] (مع التنبيه بأن هذه الأدلة تدل في الأصل على إقامة الخلافة - لأن وحدة المسلمين من أكبر الواجبات. وإنما تدل هذه الأدلة على الإمارة الإسلامية كفرع للخلافة في حالة الضرورة) :
(الحديث عن وجوب قيام دولة الإسلام من البدهيات الشرعية، ولكن مع اشتداد غربة هذا الموضوع يحسن أن نورد موجزًا مجملًا من النصوص الدالة على ذلك:
قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)
(1) سورة الذاريات: 56.
(2) سورة النساء: 59.
(3) الفصل الأول؛ أهمية الدولة وحاجة الأمة إليها؛ وجوب قيام الدولة المسلمة