فهرس الكتاب
فالتَّأويل كما سيأتي هو صرف الَّلفظ عن الظَّاهر، أي التَّحكُّم بما جاء عن المولى- عزَّوجلَّ- ورفض ظاهره بحججٍ واهيةٍ، أمَّا التَّفويض فكذلك إذ إنَّنا إذا أردنا أن نفهم التَّفويض كما فهمه السَّلف، فيجب أن نؤمن بما جاء به النَّقل، وإن أشكل ظاهره نفوِّض معناه وكيفيته إلى الله، فبعد تقديم حجَّة العقل كما يقول هؤلاء فأيُّ مكانٍ للتَّفويض يبقي؟
ولهذا فيمكن القول إنَّ مُراد هؤلاء جميعًا تقديم العقل بإطلاقٍ وجعله أساسًا كما يقول حسن حنفي: (6) "إنَّ العقل هو أساس النَّقل، وإنَّه كل ما عارض العقل فإنَّه يعارض النَّقل، وكلُّ ما وافق العقل فإنَّه يوافق النَّقل، ظهر ذلك عند المعتزلة وعند الفلاسفة، ، وظهر"
(1) الأعمال الكاملة: 3/ 301 تحقيق وتقديم: د. محمد عمارة، دار الشروق - بيروت / القاهرة، ط الأولى 1414 هـ / 1993.
(2) المصدر السابق: وانظر د. فهد الرومي - منهج المدرسة العقلية في التفسير، مؤسسة الرسالة - بيروت، ط ثالثة 1407 هـ.
(3) شبهات النصارى وحجج الإسلام: 71 ط الثانية، المنار - القاهرة 1367 هـ.
(4) انظر: د. فهد الرومي - المصدر السابق: 289 - 292.
(5) يقول الشيخ سلمان فهد العوده:"إنَّ المدرسة العقلية اسم يطلق على ذلك التَّوجه الفكريِّ الَّذي يسعى إلى التَّوفيق بين نصوص الشَّرع وبين الحضارة الغربيَّة والفكر الغربي المعاصر، وذلك بتطويع النُّصوص وتأويلها تأويلًا جديدًا يتلائم مع المفاهيم المُستقرةَه لدى الغربيين".انظر: حوار هادىء مع الغزالي: دون ذكر دار النشر، ط الأولى 1409 هـ.
(6) التراث والتجديد: 119 - 120 دار التنوير - بيروت، ط الأولى 1981 م.
الواقع في علم الأُصول، ورأينا المصالح المرسلة والاجتهاد، وأنَّ ما رآه المسلمون حسنًا فهو عند الله حسنٌ، وأنَّ الواقع له الأولوية على كلِّ نصٍّ"."
ثمَّ إنَّنا إذا أردنا أن نَحْكُم بتعارض العقل مع الحديث، فإنَّنا نطلب عقلًا خاليًا من المُؤثِّرات، سليمًا من الآفات، غير متشيعٍ لشيءٍ من الآراء والاعتقادات، وأنّى نجد هذا العقل؟
ولهذا فإنَّي أضع هذه الضَّوابط التي أراها ضروريَّةً حتَّى نقبل دعوى تعارض العقل والنَّقل - ومنه الحديث -.
أوّلًا: لا يُقبل الحكم بتعارض العقل مع الحديث مِمَّن تأثَّر بمواقف مُسبقةٍ، أو انتمى إلى مذاهب فكريَّةٍ مُعيَّنةٍ، وبِخاصَّةٍ إذا تعلَّق ذلك بما يحمله من أفكارٍ.