فهرس الكتاب
زوَّجها أبو سفيان غريبٌ جدًا، وخبرها مع أبي سفيان حين ورد المدينة في حال كفره مشهورٌ"."
وقال ابن حَزْمٍ (3) : هذا الحديث وهمٌ من بعض الرُّواه، لأنَّه لا خلاف بين النَّاس أنَّ النَّبيَّ-صلّى الله عليه وسلّم- تزوَّج أُمَّ حبيبة قبل الفتح بدهرٍ وهي بأرض الحبشه وأبوها كافرٌ، وفي رواية عن ابن حَزمٍ أنَّه قال موضوعٌ: قال والآفة فيه من عِكرمة بن عمَّارٍ الرَّاوي عن أبي زَميل.
قال النَّوويُّ (4) :وأنكر الشَّيخ أبو عَمرو بن الصَّلاح - رحمه الله - هذا على ابن حَزمٍ، وبالغ في الشَّناعة عليه، قال: وهذا القول من جسارته، فإنَّه كان هَجُومًا على تخْطِئة الائمَّة الكبار وإطلاق اللِّسان فيهم، قال: ولا نعلم أحدًا من ائمة الحديث نسب عِكرمة بن عمَّار إلى
(1) الصحيح، فضائل الصحابة /37 فضل أصحاب الشجرة: 4/ 1945 رقم (2501) وأخرجه أيضًا الطَّبرانيُّ في"المعجم الكبير": 23/ 182.
(2) شرح صحيح مسلم: 16/ 63.
(3) لم أجد مصدر هذا القول، وعزاه محقِّق التَّنبيهات المُجملة إلى جوامع السِّيرة له دون أن يشير إلى رقم الصفحة، ولقد استعرضت الكتاب فلم أجد هذا القول.
(4) شرح صحيح مسلم: 16/ 63 - 64.
وضع الحديث وما توهَّمه ابن حَزمٍ من مُنافاة هذا الحديث لتقدُّم زواجها، غلطٌ منه وغفلةٌ لأنَّه يحتمل أنَّه سأله تجديد عقد النِّكاح تطييبًا لقلبه لأنَّه كان ربَّما يرى عليها غضاضةً من رياسته ونسبه إن تزوَّج بنته بغير رضاه، أو أنَّه ظنَّ أنَّ إسلام الأب في مثل هذا يقتضي تجديد العقد.
وهذا الهجوم من ابن الصَّلاح - رحمه الله - على ابن حَزمٍ غير ذي سببٍ، إذ أنَّه لا ضير أن يكون هذا الرَّاوي أو ذاك وَهِمَ أو أخطأ، وليس هذا مما يحطُّ من قدرهم إن كانوا من أهل الثِّقة والعدالة، لأنَّ الثِّقة قد يَهِمُ ويُخطيء - كما قدَّمت -. وبخاصَّةٍ أنَّ التَّاريخ يساعد من رفضوا هذا الحديث درايةً ولهذا كان ميل المحقِّقين من العلماء إلى تضعيف هذا الحديث.
قال الأُبِّيُّ (1) : وإذا صحَّ أنَّه تزوَّجها قبل الفتح فيكون ما وقع في هذا الحديث من طلب أبي سفيان أن يزوِّجها بعد إسلامه خطأً ووهمًا، وقد بحث النُّقَّاد عمن وقع ذلك الوهم منه فوجدوه وقع من عِكرمة بن عمَّار.
قال ابن الجَوْزي (2) : اتهموه بذلك، وقد ضعَّف أحاديثه يحيى بن معين (3) ، وابن حَنْبل (4) ، ولذلك لم يُخرج عنه البُخاريُّ، وإنَّما خرَّج عنه مُسلمٌ لأنَّه قال: فيه يحيى بن سعيد، هو ثِقَةٌ، وقال الحافظ علي بن أحمد: هذا حديثٌ موضوعٌ لا شكَّ في وضعه، والآفة فيه من عِكرمه بن عمَّار.