فهرس الكتاب
رَبِي أمَرَنِي أنْ أُعَلِمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ، مِمَّا عَلَّمَنِي يَومِي هَذَا: كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدَا حَلالٌ، وَإنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإنَّهُمْ أتَتْهُمُ الشَّيَاطِيْنُ فَاجْتَالَتْهُمْ عَنْ دِينِهم ..."إلى أن قال:"وَأنْزَلْتُ عَلَيْكَ كِتَابًَا لا يَغْسِلُهُ المَاءُ، تَقْرَؤهُ نَائِمًا وَيَقْظَان". الحديث."
الشاهد من هذا الحديث الطَّويل - الذي اقتصرت على هذا الجزء منه - قوله:"وأنزلت عليك كتابًا لا يغسله الماء"،والظَّاهر من هذه الَّلفظة أنَّه لو كتب ثمَّ غُسل بالماء كما تغسل الكتب جميعًا - أيام كانت تكتب بالحبر- فإنَّه لن يُغسل، ولن تذهب الكتابه، وهذا خلاف المشاهده إذ لو غُسل فلسوف ينطبق عليه ما ينطبق على سواه، فما المراد بذلك؟
(1) انظر: عارضه الأحوذي: 2/ 68 - 69
(2) ما نقله ابن العربي هنا عن هذا الحديث، قاله ابن الجوزي في"التحقيق": 1/ 168 عن الحديث الآخر.
(3) انظر: الأوسط: 3/ 166
(4) وانظر كذلك: الحازمي - الاعتبار: 55،وابن رشد - البيان والتَّحصيل:1/ 345، تحقيق: د. محمد حجي، دار الغرب الاسلامي - بيروت، 1404 هـ - 1984 م.
(5) انظر: مجموع الفتاوى: 22/ 449.
(6) 4/ 2197 رقم (2865) وأخرجه أحمد في"المسند".
ذكر النَّوَويُّ وجهًا وحيدًا في تفسير الحديث وجزم به، فقال (1) :"أمَّا قوله تعالى: لا يغسله الماء فمعناه محفوظٌ في الصُّدور لا يتطرَّق إليه الذَّهاب، بل يبقى على مرِّ الأزمان". وكأنه يشير إلى أنّ الفرق بينه وبين بقية الكتب أنَّ هذا الكتاب لو غُسل بالماء وذهب محتواه ظاهريًَّا إلا أنَّه محفوظٌ في الصُّدور لا يؤثِّر عليه هذا الغسل، بخلاف أيِّ كتاب لو غُسل بالماء ذهب العلم الّذي فيه وضاع.
وهذا وجهٌ جيِّدٌ كان الممكن أن اقتصر عليه لولا روايات أُخرى بمعنى هذا الحديث جاء فيها (2) :"لو أنَّ القُرْآنَ جُعِلَ فِي إهَابٍ ثمَّ أُلقِيَ فِي النَّارِ مَا احْتَرَقَ".
وهذا الحديث ابتداءً يخالف الحسَّ والمُشاهدة ولا يتوجَّه القول بظاهره بحالٍ، ولهذا فقد روى ابن شاهين في"الترغيب والترهيب" (3) له عن أبي عُبيد القاسم بن سلاّم أنَّه قال:"وجه هذا عندنا أنَّ يكون أراد بالإهاب قلب المؤمن وجوفه الّذي قد وعى القرآن". وهذا التَّوجيه من أبي عُبيدٍ مُشكلٌ أيضًا إذ يقتضي أن لا يدخل النَّار من جمع القرآن وحفظه. والمُعوَّل على عدم دخول النَّار العمل بالقرآن واتِّباعه لا مجرَّد حفظه. إذ قد يحفظه الكافر إن قصد. ولذلك فإنِّي أطمئنُّ لتفسير