فهرس الكتاب

الصفحة 69 من 144

إذًا فصرف الحديث عن ظاهره ليس من باب التَّشهِي، أو تأييد مذهبٍ معيَّنٍ، بل لما تقتضيه محكمات الآيات، ومُتواترات الأحاديث، فما كان من مُتشابهٍ يُردُّ إلى المُحكم ليُفهم على ضوئِهِ، والحديث من النَّوع المُتشابه الّذي يُفهم مع ضَمِّهِ للأحاديث الأُخرى الكثيرة المحكمة، وبديهيٌّ أنَّ الله لا يغفر الكفر، إذًا اقتضى أن يكون المراد بالكفر ليس كفر الردَّة.

ولزيادة التَّوضيح أنقل هذه الفقرات عن أحد علماء السَّلف وهو أبو القاسم عُبيد بن سلاّم إذ قال (3) :"وإنَّ الّذي عندنا في هذا الباب كلّه أنَّ المعاصي والذُّنوب لا تُزيل إيمانًا، ولا توجب كفرًا ولكنَّها إنَّما تنفي من الإيمان حقيقته وإخلاصه الّذي نعت الله به أهله."

وقال (4) : وأمَّا الآثار المرويات بذكر الكفر والشِّرك ووجوبهما بالمعاصي، فإنَّ معناهما عندنا ليست تُثبت على أهلها كفرًا ولا شِركًا يُزيلان الإيمان عن صاحبه، إنَّما وجوهها أنَّها

(1) السنن: 4/ 222 رقم (4690) ، كما أخرجه ابن منده في"الإيمان": 2/ 579 رقم (519) .

(2) فتح الباري: 1/ 112.

(3) الإيمان: 89 تحقيق: محمد ناصر الدين الألباني، - دار الارقم - الكويت، ط الثانية 1405 هـ/ 1985. وانظر ابن أبي زمنين - أُصول السنه: 227.

(4) المصدر السابق: 93.

من الأخلاق والسُّنن التي عليها الكفَّار والمشركون.

وقال (1) : وأمَّا الفُرقان الشَّاهد عليه في التَّنزيل فقول الله - عزَّوجل: {وِمِنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ الله فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} (2) وقال ابن عبّاسٍ (3) :"ليس بكفرٍ ينقل عن الملّة".

وقد بيَّن ابن مَنده، أنَّ القتال كفرٌ لا يبلغ به الشِّرك فقال (4) :"ذِكْر على ما يدلُّ أنَّ مواجهة المسلم بالقتال أخاه كفرٌ لا يبلغ به الشِّرك والخروج من الإسلام"ثمَّ روى حديثًا عن أبي بَكْرة -رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم- (5) :"إذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَقَتَلَ صَاحِبَهُ، فَالْقَاتِلُ وَالمَقْتُولُ في النَّارِ".

فالحديث سمَّى القاتل والمقتول مسلمين، ولهذا ترجم ابن منده بقوله الّذي مرَّ آنفًا، وقريبًا من هذا ترجم البُخاريُّ عند روايته هذا الحديث فقال (6) :"باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فسمَّاهم المؤمنين". ووضَّح ابن حجر (7) قائلًا: واستدل المؤلف أيضًا على أنَّ المؤمن إذا ارتكب معصيةً لا يكفر، بأنَّ الله تعالى أبقى عليه اسم المؤمن فقال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت