فهرس الكتاب
الشَّرع، وتخصيصها بها في نفي الضَّرر وتحصيل المصلحة". وقد تكفَّل غيري بردِّ هذه الدَّعوى فلا أتشاغل بردِّها لئلا أخرج عن مقصود البحث."
فالمصلحة تنطلق من النُّصوص، ويمكن فهمها حسب مقاصد الإسلام العظيمة الكبرى، المستمدَّة من النُّصوص الشَّرعيَّة، ولهذا فلا يُعقل أن نقبل قول من يقدِّم المصلحة على النَّص، وبخاصَّةٍ إذا كانت دلالة هذا النَّصِّ قطعيَّةً لا يدخلها تأويلٌ أو تخصيصٌ أو تقييدٌ.
أمَّا فهمها حسب مقاصد الشَّريعه فقد تعرَّضت لذكره قبل قليلٍ عندما نقلت في شروط المصلحة أو ضوابطها: اندراجها تحت مقاصد الشَّريعة، ومقاصد الشَّريعة كما هو معروفٌ تنقسم إلى اقسام، وما يهمُّني هنا أن أُبيِّن أنَّ الشَّريعة راعت مصالح العباد فيما يتعلَّق بحفظ دينهم، وحفظ عقولهم، وحفظ أنفسهم، وحفظ أموالهم، وحفظ فروجهم، وهذه المقاصد العُليا للإسلام من أوجب الواجبات لأنَّ الدِّين جاء لتحقيقها، وكذا ما ينبني عليها.
قال الشَّاطِبي (1) :"ومن ذلك أنَّ البناء على المقاصد الأصليَّة ينقل الأعمال في الغالب إلى أحكام الوجوب، إذ المقاصد الأصليَّة دائرة على حكم الوجوب، من حيث كانت حِفظًا للأُمور الضَّروريَّة في الدِّين المُراعاة باتِّفاق".
وبناءً على ذلك فمخالفة إحدى المقاصد، يدخل في باب النَّهي، إن لم يكن التَّحريم ومع ذلك فقد وجدنا أحاديث قد تتعارض مع ما يُفهم من بعض هذه المقاصد، ومثال ذلك ما رواه مُسلم في"صحيحه" (2) : عن أبي هُريرة قال: أتى النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلّم - رجلٌ
(2) الموافقات:2/ 204.
(1) الموافقات: 2/ 204.
(2) الصحيح، المساجد /يجب إتيان المسجد على من سمع النِّداء:1/ 452 رقم (653) وأخرجه كذلك النَّسائيُّ، الإمامة /المحافظة على الصلوات حيث يتأذى: 2/ 109، أبو عَوانة في"المسند": 2/ 6، والبَيْهقيُّ في"السنن"
أعمى فقال: يا رسول الله إنَّه ليس لي قائدٌ يقودني إلى المسجد، فسأل رسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أن يُرخِّص له فيصلي في بيته، فرخَّص له، فلمَّا ولَّى دعاه فقال:"هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاةِ"؟ فقال: نعم، قال:"فَأجِبْ".
فالظَّاهر من هذا الحديث أنَّه يتعارض مع مقصد حفظ النَّفس، وهي مصلحةٌ مُعتبرةٌ إذ كيف لم يُرخِّص النَّبيُّ - صلّى الله عليه وسلّم - لهذا الأعمى أن يصلي في بيته في حين أعذر الشَّارع أصنافًا