فهرس الكتاب
احتجَّ لهم ابن حِبَّان، وبذلك يزول التَّعارض مع هذه القاعده.
المطلب الثَّاني: توهُّم تعارض الحديث مع بعض القواعد والمسائل الأُصوليَّة.
لقد تحدَّثت في المطلب الأوّل عن تعارض الحديث مع بعض الأدلّة المختلف فيها عند الأُصوليين، وكتتمَّةٍ لذلك رأيت أن أتعرَّض الآن لتعارض الحديث مع بعض القواعد الأُصوليَّة المعتبرة، كقاعدة: رفع الحَرَج، وقاعدة عدم تأخير البيان عن وقت الحاجة، وأخيرًا التَّعارض مع ما يوهم رفع التَّكليف. وهذا بيان كلِّ ذلك.
أوّلًا: تعارض الحديث مع قاعدة رفع الحرج:
الحَرج في الُّلغة (4) : هو المكان الضَّيِّق الكثير الشَّجر، أمَّا في الاصطلاح (5) :"فهو كلُّ"
(4) الفيروزأبادي - القاموس المحيط:1/ 189.
(5) انظر: د. صالح بن عبد الله بن حميد - رفع الحرج في الشريعه الإسلامية: 48 - 49 منشورات جامعة أم القرى - مكة المكرمة، ط الأولى 1403 هـ
ما أدَّى إلى مشقَّةٍ زائدةٍ في البدن أو النَّفس أو المال حالًا أو مآلًا". ورفع الحَرَجِ: إزالة ما يؤدِّي إلى هذه المشاق."
ورفع الحرج قاعدةٌ متينةٌ، بَل أصلٌ عظيمٌ من أُصول هذا الدِّين مستمدَّةً من النُّصوص المُتواترة والمُتوافرة فقد قال تعالى: {مَا يُرِيْدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيْدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُوُن} (1) .وقوله {وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّيْنِ مِنْ حَرَجٍ مِلِّةَ أبِيْكُمْ إبْرَاهِيْمَ} (2) .
ودلالة هاتين الآيتين واضحةٌ جليَّةٌ في رفع الحرج، قال ابن العربي (3) :"ولو ذهبت إلى تعديد نعم الله في رفع الحرج لطال المرام".
وكذلك قوله تعالى: {يُرِيْدُ اللهُ بِكُمُ اليُسْرَ وَلا يُرِيْدُ بِكُمُ العُسْرَ} (4) ، إضافةً إلى الآيات الكثيرة في هذا الشَّأن الّتي تدلُّ على رفع الحرج، والتَّيسير والتَّخفيف.
أمَّا الأحاديث الّتي تدلُّ على مشروعيَّة هذا الأصل فهي كثيرة جدًا؛ منها ما أخرجه الشَّيخان (5) عن أبي موسى الأشعري أنَّ النَّبيَّ - صلّى الله عليه وسلّم - لمّا بعثه هو ومُعَاذ إلى اليمن قال:"يَسِّرَا وَلا تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلا تُنَفِّرَا"،وغير ذلك من الأدلَّة الكثيرة (6) .
إذًا فرفع الحرج أصلٌ مقطوعٌ به وقاعدةٌ متينةٌ من قواعد الشَّرع فلا يُعقل بعد هذا أن نجد أحاديث تتعارض مع هذه القاعدة، وإن تأكَّدْنا من هذا فيجب أن نمعن النَّظر في الحديث والتَّأمُّل في دلالته