فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 144

قال ابن الجَوْزِي:"فإن قيل: كيف جاز لرسول الله - صلّى الله عليه وسلّم - أن يُؤخِّر البيان وقت الحاجة فَيُردِّد الرَّجل إلى صلاةٍ ليست صحيحةٍ؟"

فالجواب من وجهين:

أحدهما: إمَّا أن يكون ترديده لتفخيم الأمر وتعظيمه عنده، ورأى أنَّ الوقت لم يفته فأراد إيقاظ الفطنة للمتروك.

والثَّاني: أن يكون الرَّجل قد أدَّى قدر الواجب فأراد منه فعل المسنون والمستحب، فيكون قوله:"لم تُصلِّ"يعني الصَّلاة الكاملة"."

قلت: كان من الممكن أن نطلق على هذا المثال تأخير البيان عن وقت الحاجة لو انفضَّ المجلس دون أن يُبيِّن الرَّسول - صلّى الله عليه وسلّم - للرَّجل الصَّواب ويعلِّمه، ولهذا قال ابن حجر: وفيه تأخير البيان في المجلس للمصلحة.

ثالثًا: تعارض الحديث مع ما يُوهم انقطاع التَّكليف بالرُّغم من بقاء شروطه.

من المتَّفق عليه بين المسلمين جميعًا أنَّ المسلم يبقى مكلَّفًا إذا كان عاقلًا بالغًا، ولا يزول عنه التَّكليف إلاّ بزوال أحد هذه الأمور، أو الموت الّذي يُعدُّ هادما لأساس التَّكليف،

والنَّسائي، الافتتاح /فرض التكبيرة الأولى: 2/ 124، وابن ماجه، إقامة الصلاة /72إتمام الصلاة:1/ 336 - 337 رقم (1060) ، وأحمد في"المسند": 3/ 437، وابن خُزَيمة في"الصحيح": 1/ 299 رقم (590) ، والطَّحاوي في"شرح معاني الآثار": 1/ 233، وابن حِبَّان في"صحيحه": كما في"الإحسان": 5/ 212 - 213 رقم (1890) و البَيْهقي في"السنن الكبرى": 2/ 122 وغير ذلك.

كشف مشكل الصحيحين: 2/

وما سوى ذلك فالمرء مطالبٌ بأداء التَّكاليف المنوطة به. لا فرق بذلك بين نبيٍّ وغيره، يقول الله - سبحانه - مخاطبا نبيَّه: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَاتِيَكَ الْيَقِيُن} واليقين: الموت، كما فسَّره غير واحدٍ، والخطاب هاهنا وإن كان للنَّبيِّ - صلّى الله عليه وسلّم - إلاّ إنَّه خطاب لأُمَّته أيضًا كما تقرَّر في علم الأُصول ، إلاّ ما خرج بخصوصِيَّةٍ يختصُّ بها النَّبيُّ - صلّى الله عليه وسلّم -، وهذا لا يثبت إلاّ بدليلٍ كما أشرت إلى ذلك في موضعه.

فإذا كان النَّبيُّ - صلّى الله عليه وسلّم - وهو المغفور له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخَّر مطالبًا بالعبادة حتَّى يأتيه الأجل، فماذا نقول عن سائر الأُمَّة إلاّ إنَّه يلزمهم ما لزم النَّبي - صلّى الله عليه وسلّم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت