الصفحة 16 من 19

جهاد الجوار:

جذور الحرب الأهلية السورية ونظيرتها في العراق

رانية أبو زيد

الناشر:

مجموعة نخبة الفكر

1435 هـ-2014 م

الشخصيات الرئيسية:

أبو محمد الجولاني: المخضرم في الحرب الأمريكية في العراق، والذي حصل على الأذن من القيادة المركزية لتنظيم القاعدة لتشكيل فرع لجماعة إرهابية في سورية، جَبهَة النُّصرة. لا معلومات أخرى عن هذا المقاتل الشاب، النُّصرة الآن تقاتل نظام الأسد والدولة الإسلامية معًا. رفض مُطَّلِعون مقربون من دائرة الجولاني التأكيد على ما إذا كانت هذه الصورة (والتي أصدرتها الحكومة العراقية) هي صورة الجولاني حقًا أم لا.

أبو بكر البغدادي: لا يُعرف إلا القليل عن هذا القائد الغامض، قائد الدولة الإسلامية في العراق والشام، أكثر فرع متطرف من فروع تنظيم القاعدة في الحرب الأهلية السورية. كان البغدادي وهو عراقي، زعيم دولة العراق الإسلامية قبل أن توسعها لتصبح الدولة الإسلامية في العراق والشام. وقد وصفت وزارة الخارجية الأمريكية البغدادي البالغ من العمر 42 عامًا، والمعروف أيضًا باسم إبراهيم علي البدري السامرائي، بـ"الإرهابي العالمي."وفقًا لبعض التقديرات، قيل أنه يَسوس أكثر من 5,000 مقاتل أجنبي.

أيمن الظواهري: طبيب وزعيم تنظيم القاعدة، لا يمتلك كاريزما كالتي كانت لدى سلفه أسامة بن لادن. عانى من صعوبة السيطرة على البغدادي ودولته؛ دولة الإسلام في العراق والشام.

ثمانية رجال، بلحى مشجذبة، وأحزمة متفجرة، مسدسات وقنابل يدوية مُعَلَّقة بثيابهم، انتظروا حتى حلول الليل قبل أن يمروا خلسةً في الشقة، إلى أن وصلوا إلى الحدود العراقية. تجاوزوا السواتر واتخذوا أنفاق تهريب الدخان والأسلحة و «منافذ الجهاديين» ممراتٍ لهم للوصول إلى محافظة الحسكة السورية. حصل هذا في 11/آب في الشهر الإسلامي المُقدَّس رمضان، حيث كانت الثورة السورية في شهرها الخامس من انتفاضتها والتي غَلَبَ عليها الطابع السلمي ضد الرئيس السوري بشار الأسد.

كان قائدهم موفدًا سوريًا من تنظيم القاعدة الذي انصهر في الصراع الدموي المجاور، يُطلق على نفسه اسم أبو مُحَمَّد الجولاني، شابٌ في أول عمره، يُعرَف عنه القليل ما عدا أنه مقاتلٌ مُحَنَّك في الحرب ضد الأمريكيين في العراق، تم تفويضه من قِبَل رئيسه أبو بكر البغدادي، والقيادة المركزية لتنظيم القاعدة من أجل أن يقوم بتأسيس فرع للتنظيم في سورية. تَمَّ إيضاح مهمته في عددٍ من البيانات العامة، والتي كانت تُرَكِّزُ على الإطاحة بنظام الأسد وإنشاء دولةٍ إسلاميةٍ في هذا المكان. لم يعلم أحدٌ حينها، ولكن على ما يبدو أن هذه الرحلات عبر الحدود ستُغَيِّر مجرى أحداث الحرب السورية، وستكون عاملًا أساسيًا في قلب الصراع الداخلي إلى صراعٍ إقليمي سيهدد نظام كلا من البلدين سورية والعراق.

قبل دخول الجولاني من العراق إلى سورية ليلًا، كانت القاعدة تبدو كقوةٍ ذات نفوذ بشكلٍ كبير، خاصةً وأن أسامة بن لادن قُتل قبل أشهر. وقد خلفه، أيمن الظواهري الذي يتمتع بصبر أسامة قليلًا وبعض من كاريزماه، كان العرب وقتها في خضم ما أطلقوا عليه «الربيع العربي» ، وكانت المظاهرات السلمية بديلًا عن العنف من أجل إحداث التغيير.

وعلى مدار السنوات القليلة المقبلة، وبمساعدة من نظام الأسد، تَمَكَّن الجولاني من إعادة ابتعاث لاسم القاعدة وإنشاء أرضية راسخة في سورية. تُدعى جماعته، جَبهَة النُّصرة لأهل الشام؛ هذه الجماعة كان من الممكن أن تخلق جيلًا جديدًا من الجهاديين من مختلف بقاع العالم الإسلامي. مقاتلون باتوا قوةً لا يُستهان بها في الحرب الأهلية السورية التي أودت بحياة ما يزيد عن 140,000، وهجّرت 9 مليون سوري داخل سورية وفي البلاد المجاورة.

وبشكلٍ خطيرٍ جدًا، فإن نجاح النُّصرة من الممكن أن يُشَكِّل صدعًا هائلًا بين دولة الإسلام في العراق التابعة لتنظيم القاعدة وبين تنظيم القاعدة الأم. مع حلول شهر أبريل 2013 بدأت تعيد هذه الجماعة تصنيف نفسها كدولة الإسلام في العراق والشام، اسمٌ جديد يعكس تطلعاتها الانتقالية. مع حلول شهر حزيران، أصبحت «داعش» ، ذات نفوذ كبير جدًا حيث بدأت بالتقدم في شمال وغرب العراق، والسيطرة بشكل سريع على المدن العراقية كالموصل وتكريت، من دون أن يكون للظواهري قائد القاعدة القديم أية علاقة، والمختبئ في مكان ما في جنوب آسيا، بعيدًا عن المعارك الجهادية الحديثة. اليوم، وكنتيجة لانتصارات «داعش» ، وجد الرئيس الأمريكي باراك أوباما (المُنتَخَب بسبب تخليصه الولايات المتحدة من الضلوع في الحروب الدائرة في الشرق الأوسط) ، وجد نفسه بصدد حربٍ جديدة.

يقوم أوباما الآن بإرسال كميات قليلة من الدعم للجيش العراقي، لكنه يلقى المزيد من الضغط من واشنطن حتى يقوم باتخاذ موقف ضد قوات"داعش"المنتشرة في العراق، والتي تقوم باحتلال أراضٍ ومنشآت نفطية وتشكل خطرًا على بغداد وما حولها.

لم يكن هذا مُحَتَّمًا، بل إن قيام الثورة السورية - والتردد الذي طغى على رد الفعل الدولي - مهّد الطريق أمام قيام دولةٍ إسلاميةٍ عسكرية من الممكن أن تشغل المناطق بين سورية والعراق وتزيل الحدود بينهما، بل وترسم خريطة جديدة للشرق الأوسط بمصطلحات محددة إن لم تكن على الورق. هذه هي القصة، مُجَمَّعةً على أجزاء، من خلال رحلاتٍ عديدة إلى سورية ومقابلاتٍ نادرة مع جهاديين رفيعي المستوى في الخطوط الأمامية.

بدأت القصة في أواسط عام 2011، مع إطلاق سراحٍ مشبوه من قِبَل نظام الأسد لمئات الجهاديين من السجن؛ حركةٌ خدمت استراتيجية الأسد المبنية على وصم الثورة بأنها مؤامرة مشتركة بين الإسلاميين المتطرفين، والعملاء الغربيين والإسرائيليين، بالإضافة إلى عددٍ محدود من المواطنين الغاضبين من أداء النظام والذين وقعوا ضحيةً للتآمر الأجنبي. كل ذلك، بقصد أو بغير قصد، كان يصبُّ في خدمة الجولاني.

في الحقيقة، لم يكن لتنظيم القاعدة أي وجود في سورية. تاريخيًا كانت جماعة الإخوان المسلمين السورية وفرعها الأكثر عنفًا وطائفية الطليعة المقاتلة، من المنظمات الإسلامية الأبرز في البلاد. في منتصف السبعينات، كانوا واجهة التمرد السُنّي المتطرف ضد الحكومة العَلمانية لوالد بشار، حافظ الأسد. ولكن بحلول عام 1982 تم إخماد هذه الحركة وبشكلٍ فعال في سورية، بعد مجزرة فبراير والتي يُقَدَّر عدد ضحاياها بـ 200 ألف شخص في وسط مدينة حماة. وتم سنُّ قانونٍ بتجريم الانتساب إلى جماعة الإخوان، جريمةٌ عقوبتها الإعدام، مما دفع معظم الذين نجوا من التطهير إلى الفرار خارج البلاد. بالإضافة إلى عدة مئات من الأشخاص الذين أُلقيَّ بهم غي غياهب النسيان في سجن صيدنايا العسكري، والذي يبعُد نحو 20 ميلًا إلى الشمال من العاصمة دمشق.

ارتباط سورية مع القاعدة جاء مؤخرًا، عندما جَسَّدَت طريقًا رئيسًا لنقل الجهاديين الداخلين إلى العراق من أجل قتال قوات التحالف بعد الغزو الذي قادته أمريكا عام 2003. حسب ملفات شخصيات عراقية في القاعدة تم العثور عليها عام 2007 في قرية سنجار على الحدود العراقية، دخل جميع المقاتلين الـ 600 المُسَجَّلين إلى العراق من سورية. البعض ومن ضمنهم مسؤولين أمريكيين على مستوٍى عالٍ توصلوا إلى نتيجةٍ مفادها أن الحكومة السورية كانت على علمٍ بحركة هؤلاء الرجال في أراضيها، لتصل إلى غايتين؛ داخليًا حتى تُخرِج نفسها من خطر الإسلاميين المتنامي، أما إقليميًا، من الممكن أن تلفت انتباه القوات الأمريكية إلى سورية.

عام 2004 - 2005 بدأ بعض هؤلاء الجهاديين السوريين المتمكنين بالعودة إلى بلدهم. ترافق وصولهم مع بعض التفجيرات الصغيرة والاشتباك مع قوات الأمن، والتي استمرت على مدى الأعوام القليلة اللاحقة. أغلب من تم القبض عليهم حُولوا إلى سجن صيدنايا العسكري الطابق الثالث. أما الإخوان المسلمين الذين تم القبض عليهم في السبعينات والثمانينات وُضعوا في الدور الثاني. يعيش الـ 400 (أو أكثر) جهادي حياةً منعزلةً في الدور الثالث، في منطقةٍ صغيرة تدعى «الباب الأسود» ، سبب التسمية يعود إلى أن الرجال عُزلوا فيها عن جميع المساجين، أما السجانون فكانوا يطلقون على هذه المنطقة اسم جناح القاعدة. في 15 من آذار الذي يعتبر بداية الثورة السورية، عندما نزل الآلاف إلى الشوارع للمطالبة بالحرية، تم نقل 300 إسلامي من دمشق إلى سجن صيدنايا المركزي.

لمواجهة ما أصبح حركة مظاهرات على طول البلد، عَرَضَ الأسد قيامه ببعض الإصلاحات، أغلبها سطحية تجميلية، على أمل أن يُخمد فتيل الثورة بالكامل، بينما كان يرسل قواته الأمنية إلى المتظاهرين لإطلاق النار عليهم، وتعذيب واعتقال الآلاف. كما أعلن النظام عن عدة قوانين جديدة لإطلاق سراح المعتقلين ضمن القانون رقم 61 في شهر ماي 2011. هذا القانون غطى جميع أعضاء الإخوان المسلمين وغيرهم من السجناء المنتمين إلى الحركات الإسلامية في حزيران، بالإضافة إلى القرار رقم 161 و 53 اللذين أنهيا حالة الطوارئ والتي امتدت لسنوات، وأَلغَت محكمة الأمن العليا. وقد حرّرت قوات النظام العديد من سجناء صيدنايا مثل الشرعي الإسلامي أبو عثمان.

أبو عثمان رجلٌ ممتلئ الجسم غير مفتول العضلات في أواخر الثلاثينات من عمره، ذو أنفٍ بَصَلَيِّ الشكل، صغير، عَسَلِيُّ العينَيّن، مع لحيةٍ حمراء تصل إلى صدره. قابلته في كسب، في قريةٍ قرب الحدود السورية-التركية، في منتصف شهر أبريل 2014، بعد عدة أسابيع من سيطرة جماعات الإسلاميين على البلدة. (في منتصف حزيران، استعاد النظام سيطرته عليها) أبو عثمان الآن شرعي في جَبهَة النُّصرة، عندما لا يقاتل، يزود رجال وحدته بالتعليمات الدينية ويعمل قاضيًا في المحكمة الشرعية.

كان أبو عثمان واحدًا من الـ 300 إسلامي الذين تم ترحيلهم إلى سجن صيدنايا في آذار 2011. وهو مسجونٌ منذ العام 2007 بسبب عضويته في مجلسٍ له علاقة بجماعة مرتبطة بالقاعدة، وقد أمضى ثلاثة أشهر من مجمل سنوات حبسه خلف قضبان «الباب الأسود» . انتشر خبر الربيع العربي في الطابق الثالث من سجن صيدنايا وعن الثورة التي تجري خارج السجن، عن طريق تسريبات الأهالي التي تقوم بزيارة أبنائها المحتجزين."تم إخبارنا عن طريق «إخوة» خبيرين في الجهاد، ممن قضوا وقتًا طويلًا في صيدنايا، أنه يجب علينا عدم العمل والجلوس فقط عند خروجنا من السجن"كما قال.

يعلم الإسلاميون أن الأسد أصدر العفو العام مع علمه بأنهم سيحملون السلاح ضده، وهذا جزءٌ من نبوءةٍ متوقَعَة التحقق. أبو عثمان وغيره ممن كانوا في سجن صيدنايا أخبروني أنه حصل كما أرادت الحكومة تمامًا."إذا ما كان الإخوان المسلمين مقدمين على فعلٍ ما، كان سيكون بالمثل، أي استخدام الأسلحة لمواجهة القوى الأمنية. من الممكن أن يكون جهاديًا، وباستطاعة النظام وقتها لفت نظر العالم له في قوله:"انظروا الإرهابيين". كنا نعلم هذا."كما قال. ولكن هذا لم يوقفهم للمضي قدمًا."كنا نعمل بالسِر."

أُطلِق سراحه في 20 حزيران 2011. ورجع إلى منزله في حلب، إلى زوجته وطفليه الصغيرين، ومن ثم سرعان ما بدأ هو وزملاؤه «خريجي» صيدنايا كما يطلقون على أنفسهم، بالتحرك للتعبئة.

أنشأ نزلاء السجن شبكةً بشكلٍ مُسبَق."عندما كنت محبوسًا، كنت أعلم أربعة أو خمسة أو ستة، ولكن عندما أطلق سراحي كنت أعرف 100 أو 200 أو 300 [جهادي] . لدي إخوة في حماة الآن، وحُمص ودرعا وغيرها العديد من المناطق، وكانوا يعرفونني ..."كما قال."أخذ هذا أسابيع قليلة فقط؛ أسابيع وليس شهر بالنسبة لنا للبدء بالتحرك في جماعات من اثنين أو ثلاثة، بسريةٍ تامة."

بدأ أبو عثمان بالتجهيز للقتال؛ اشترى أربع بندقيات من مدينة سرمدا في محافظة إدلب، و"بخاخات للتنويم"من تركيا. بدأ بالعمل في شبكة جهادية استخباراتية في حلب، والتي كانت نقطةً مُسَيطَرٌ عليها بقوة من قِبَل النظام. كان عمله رصد جنود النظام والشبيحة، والبلطجية شبه العسكريين الموالين للنظام. كان يمرر المعلومات الاستخباراتية لزملائه عمّن يجب احتجازه أو قتله كما تم إعلامه.

"عندما بدأنا، يجب أن أعترف بهذا، لا أستطيع أن أنكر أن القاعدة كانت منتهيةً بشكلٍ أساسي في سورية"كما أخبرني."فعندما بدأنا، قمنا بكل شيء من دون تعليماتٍ أو أوامر. بدأنا بتجميع أنفسنا، لضمان أنفسنا وغيرنا."في صيدنايا، تم إخبارهم ببساطة أن ينتظروا قائدهم الجديد، فكان الانتظار هو جلّ ما نقوم به.

مع الوقت تسلل أبو محمد الجولاني وسبعة من زملائه - سوريين وسعودي وأردني - عبر الحدود في تلك الليلة الصيفية عام 2011، وبعضًا من رجال صيدنايا كانوا على استعدادٍ لاستقبالهم. دخلوا إلى البلاد بالقرب من مدينة الحسكة في الشمال الشرقي، قضى ليلته الأولى في سورية في منزل سجينٍ سابق في صيدنايا، وفقًا لمصدرٍ مُطَّلع في جَبهَة النُّصرة. الرجل المُقَرَّب إلى الدائرة الصغيرة المُقَرَّبة للجولاني طلب عدم الكشف عن هويته كاملة. (تم رفض طلب مقابلة للحديث عن تسجيل مع أحد أعضاء الهيئة الحاكمة للنُّصرة، مع تقديم اعتذار عن التأجيل لمدة شهرين على الاستجابة) .

كان الجولاني لايزال غيرَ معروف بشكلٍ واسع، حتى أصوله ظلت غامضةً إلى يومنا هذا. كان صغيرًا، في الثلاثينات من عمره كما قال المصدر المُطَّلِع في دائرة الجولاني، تمامًا مثل معظم من في الدائرة المقربة لجماعته:"لا أحدٌ منا لديه شعرات رمادية في لحاه."أولئك الذين يعرفونه يقولون عنه إنه هادئ، واثقٌ بنفسه، ورجلٌ منضبط، يستمع باهتمام ويُفَكِّرُ بشكلٍ استراتيجي. لا يترك سلاحه. أضاف أحد المقربين منه:"حتى عندما نكون آمنين جدًا، وفي مكانٍ آمنٍ جدًا، فإنه لا يترك مسدسه، أو حزامه [الناسف] "وقال:"عندما ينام، كان سلاحه تحت رأسه وحزامه إلى جانبه."تزوج قبل بضع سنوات في سورية، وله ابنٌ رضيع.

يشير الاسم الحركي الجولاني إلى أنه من مرتفعات الجولان السورية التي تحتلها إسرائيل، على الرغم من أن البعض يقول إنها إشارةٌ إلى حي «الجولاني» في الفلوجة في العراق حيث قاتل الأمريكيين. بغض النظر، فهو سوري ونشأ في دمشق، وقال المصدر المُطَّلع أنه اعتُقِلَ في حرب العراق واُحتجز في معسكر بوكا، وهو معسكر الاعتقال الذي تديره الولايات المتحدة على حدود العراق الجنوبية مع الكويت. صنفه الأمريكان على أنه كردي عراقي من مدينة الموصل. (قائده البغدادي، اُعتقل أيضًا في معسكر بوكا، لكن الرجلان لم يكونا على معرفةٍ بعضهما ببعض حينئذٍ) .

حالما بدأ الجولاني رحلته السرية عبر الحدود، وصل إلى بعض خلايا صيدنايا من الرجال الناشطين بالفعل، وغيرهم ممن كانوا ينتظرون ظهور جَبهَةٍ مرتبطةٍ بالقاعدة، من خلال كلامٍ شفوي أو رسائل مكتوبةٍ بخط اليد التي ألقاها السُعاة.

كانت أول عملية غير معلنة للمجموعة الجديدة في 27 ديسمبر 2011، حيث الهجوم على فرع أمن الدولة في دمشق. في وقتٍ لاحق ما يقرب من شهر، في 23 يناير 2012، أعلنت جَبهَة النُّصرة رسميًا نفسها في تسجيلٍ صوتي مدته ثمانُ دقائق. ولم يُشِر البيان إلى علاقتها بتنظيم قاعدة الجهاد.

"كانت هذه خطة الجولاني نفسه"كما قال لي المصدر من النُّصرة. وقال إن الجولاني أخبر الرجال بأننا"سنُظهر قيمنا، وسنتعامل مع الناس بشكلٍ جيد ثم بعد ذلك سنقول لهم تنظيم قاعدة الجهاد الذي لُطِّخَت سمعته في وسائل الإعلام هذه هي حقيقته. نحن هي. ما رأيكم بنا جَبهَة النُّصرة؟". وحتى ذلك الحين أُعطيت للظواهري تعليماتٌ صارمة بعدم الكشف عن علاقته. كما قال المصدر.

لم تكن هذه المرة الأولى التي تُصدر قيادة القاعدة مثل هذا الشرط، وفقًا لإحدى الرسائل المحفوظة والتي تم العثور عليها من مخبأ بن لادن في أبوت آباد بعد مقتله في عام 2011، كان فيها إيعازٌ من زعيم تنظيم القاعدة لحركة الشباب في الصومال لإخفاء علاقاتها مع تنظيمه لأنه"ما إن تصبح مُعلنة، حتى سيتكون لها أعداء يصّعدون من غضبهم ويلجؤون إلى التعبئة ضدها."

كان بن لادن يعلم أن القاعدة تعاني من تشوهٍ في صورتها. ففي الوثيقة المؤلفة من 37 صفحة والتي صدرت بعد وفاته، تحدث عن بدء «مرحلةٍ جديدة» لكسب ثقة معظم المسلمين، حيث كان على وعيٍّ بأن الجمهور المسلم يزدري جماعته. كما تشير الأوراق أيضًا استياء تنظيم القاعدة للجناح التابع لها في العراق، وأساليبها الوحشية. استوعب الجولاني جليًا الدروس بغض النظر إذا كان قد قرأ الوثائق أولًا أم لا. في المقابلة الوحيدة له (إلى تاريخ كتابة هذا المقال) ، مع قناة الجزيرة في ديسمبر 2013 قال إنه قبل دخوله سورية"استعرض تاريخ الجهاد الذي حدث في كل مكانٍ على الأرض من أجل محاولة تجنب الأخطاء التي سقطت فيها الحركات الجهادية في أماكن أخرى."

الجولاني أوضح أنه لن يفعل ما فعله التنظيم الأم في العراق، من فرض إملاءاتٍ إسلاميةٍ قاسية على المجتمعات المحلية واستعداءٍ لها إلى أن تشكلت الصحوات وانتفضت ضد تنظيم القاعدة، والتي بمساعدة الولايات المتحدة طردت الجماعة بالقوة ... سورية ستكون المنصة لجماعة قاعدة الجهاد لإظهار تطورها.

سرعان ما تطورت الانتفاضة السورية وقُسِّمَت إلى صراعين متوازيين. الآلاف لايزالون يُنظمون كل أسبوع احتجاجاتٍ سلمية إلى حدٍ كبير عقب صلاة الجمعة، وبالسياق نفسه تمت عسكرة الصراع في غضون بضعة أشهر.

بحلول صيف 2011، تم تشكيل الجيش السوري الحُر، والذي تألَّف في البداية من جنود وأفراد الأمن الذين انشقوا، ثم انضمَّ في وقتٍ لاحق، مدنيون والذين حملوا السلاح للدفاع عن مدنهم وقراهم ضد النظام. في البداية كان الجيش الحُر منفصلًا عن الجماعات الصغيرة من الجهاديين. الجيش الحُر لم يكن إلا مصطلح يُظلل من حَمَل السلاح، كيان هُلامي يدخل به من ليس مرتبطًا به أصلًا. والقادة الذين أعلنوه كانوا في تركيا، ومن الطبيعي أن تسمع المسلحين يشتكون من أن ما يسمون بقادة الجيش الحر بالفنادق وهم بالخنادق.

كان الجولاني في الخنادق. في تموز 2012 غادر قاعدته في دمشق وسكن في مواقع النُّصرة في الأجزاء التي يسيطر عليها الثوار في المحافظات الشمالية من إدلب وحلب، غالبًا ما استخدم الاسم المستعار أبو عبد الله، وتم إخبار قادة النُّصرة المحليين الذين يلتقيهم على أنه كان ممثل قائد التنظيم. كان يتبع زياراته برسائل مُفَصَّلة مكتوبةً بخط اليد إلى القادة، مشيدًا برجلٍ معين أو اقتراحٌ ما برفض رجلٍ آخر.

في كثيرٍ من الأحيان كان متخفيًا عن مرأى النظام، مرةً أخذ حافلةً عامة إلى شرق مدينة دير الزور، واستأجر مرةً أخرى شقةً في كفر حمرا، وهي بلدةٌ في ريف حلب والتي كانت لا تزال تحت سيطرة النظام، هربًا من القصف المُكَثَّف الذي يمطر على المناطق التي يسيطر عليها الثوار.

أثناء نمو النُّصرة وتحولها إلى قوةٍ ذات قدرةٍ قتاليةٍ عالية، كان الجيش السوري الحُر، يحاول أن يُنَظِّم نفسه في محاولة لإقناع المجتمع الدولي كي يقدم له دعمًا كبيرًا. شُكِّلت مجالس المحافظات، (مجلس واحد لـ 14 محافظة) ، والرامية إلى جمع كل جماعات الجيش الحُر تحت إمرتها. ولكن ثَبُت أن مجالس المحافظات والجيش الحُر يستمدان قوتهما بالأساس من ما يمنحه الممولين الرئيسين لها؛ السعوديون والقطريون (الذين قدموا الأموال أو الأسلحة والذخائر، مع التسهيلات من قِبَل الأتراك في اجتياز الأراضي وتوصيل الإمدادات) والأمريكان (الذين أرادوا تعليم وتدريب المجموعات الحاصلة على السلاح) .

لم يحصل الجيش الحُر على الأسلحة التي من شأنها أن تحول المَدَّ والجزر إلى صالحه. الحكومات الغربية وعلى رأسها الولايات المتحدة، خافت من إمكانية وصول الأسلحة المتطورة، مثل الصواريخ المضادة للطائرات إلى أيدي المتطرفين، وبالتالي استخدامها في الهجمات الإرهابية. وهذه المخاوف لا أساس لها من الصحة. ومع ذلك، فإن ذلك يعني في المقابل أن طائرات الأسد الحربية وطائرات الهليكوبتر ستواصل إلقاء الصواريخ والقنابل والبراميل على المناطق المدنية وقواعد الثوار.

رفض المجتمع الدولي أيضًا فرض منطقة حظر جوي فوق الحزام الذي تحتفظ به مختلف جماعات الثوار شمال سورية. أكثر ما تمنته الجماعة المتمردة المعتدلة في سورية هي الأمل في أن يمدها الغرب وحلفائهم في الخليج بأسلحة خفيفة وبالذخائر. وحتى عندما وصلت تلك الإمدادات كانت قليلةً من حيث العدد، موزعةً بالتساوي وتم تسليمها بشكلٍ غير منتظم.

تعلمت كتائب الثوار بسرعة على الاعتماد على نفسها. اشترت أسلحةً وذخيرةً من جنود النظام الفاسد ومن السوق السوداء الإقليمية (لا سيما في لبنان والعراق وتركيا) . اجتاحت نقاط التفتيش الحكومية واستولت على غنائم الحرب، وأصبحت العديد من الجماعات بارعةً في صنع الأسلحة الخاصة بهم، والصواريخ والعبوات الناسفة.

بين مجموعة من الجماعات المسلحة التي ظهرت، ظهرت جَبهَة النُّصرة بسرعة بوصفها الجماعة المنضبطة، ذات قوة قتالية قوية، تلك القوة صاحبة أكثر العمليات الهجومية جرأة ضد النظام، بما في ذلك التفجيرات الانتحارية، إحدى التكتيكات التي قلّ استخدامها من الجماعات المقاتلة الأخرى. على الرغم من صعوبة معرفة حجم النُّصرة وصعوبة التأكد والتحقق من ذلك، إلا أن أثرها أصبح واضحًا. يقول الجولاني إن نصف تمويلها أتى من المنظمة الأم، دولة العراق الإسلامية. والبقية أتى من المانحين من القطاع الخاص ومن تأمين غنائم الحرب.

اشتبك مقاتلو النُّصرة إلى جانب تلك الجماعات الأخرى، وقيل لي أنه على الرغم من أن جماعة النُّصرة محافظة دينيًا، إلا أنها لا تسعى إلى فرض أفكارها على المجتمعات التي سقطت تحت سيطرة الثوار. قدّموا الخدمات الاجتماعية، مثل توزيع الدقيق على المخابز، وبُذِلَت الكثير من الجهود لطمأنة المسيحيين المحليين. هذا كان مختلفًا جدًا عن تنظيم القاعدة في العراق، والتي قصفت بشكلٍ روتيني أسواق كاملة من المدنيين، مما أسفر عن مقتل المسلمين دون تمييز كما قُتِل آخرون.

مع ذلك، فإن لهجتها ولغتها كانت حادةً ومتشددةً جدًا ضد أفراد طائفة الأسد العلوية. تعتبر النُّصرة أن غير المسلمين كفار، ولكن كما قال قائدٌ لي ذات مرة،"كُفره لا يعني أنني يجب أن أقتله."لكنها مع ذلك تحمل هذه اللغة شكلًا من أشكال المواطنة من الدرجة الثانية. العديد من المجموعات المتمردة السورية وخصوصًا تلك المتحالفة مع الجيش السوري الحُر، لم تشارك الأيديولوجية الفكرية المحافظة للنُّصرة، وكانوا أصلًا غير متأكدين من خططها في سورية، إلا أنهم كانوا بحاجةٍ إليها في ساحة المعركة.

في ديسمبر 2012، أعلنت الولايات المتحدة أن النُّصرة منظمةً إرهابية، وتحديدًا تم تصنيفها كجناح لتنظيم القاعدة في العراق. إذا كان المقصود من التسمية الإرهابية عزل جَبهَة النُّصرة، فيبدو أنها أدت إلى عكس المقصود. ففي 14 ديسمبر، أول جمعة بعد هذا الإعلان، خرج السوريون في جميع أنحاء البلاد في مظاهرات تحت شعار، «لا إرهاب إلا إرهاب الأسد» في ردٍ واضح على القرار الأمريكي، والعشرات من الجماعات المتمردة أعلنت، «كلنا جَبهَة النُّصرة» ، بينما قيادة المعارضة السياسية في المنفى - والتي لم تعترف بها النُّصرة - أدانت التصنيف الإرهابي.

بعد عامٍ فقط من إعلان وجودها في سورية، كانت جَبهَة النُّصرة قد حققت ما أظهرته أوراق أبوت آباد بما كان يحلم به بن لادن: قوةً هائلة بدعمٍ شعبيٍّ قوي.

لم يُكشف بعد عن علاقة جَبهَة النُّصرة بتنظيم القاعدة. هذه المعلومة سيتم إعلانها بشكلٍ مفاجئ على الملأ في 8 أبريل 2013، في تسجيلٍ صوتي لأبي بكر البغدادي، قائد دولة العراق الإسلامية.

كان خطاب البغدادي قنبلة؛ فالخطاب أعلن دمج جَبهَة النُّصرة في كيان دولة العراق الإسلامية وتحت قيادته، رفض الجولاني علنًا الاندماج وتعهد بالولاء لأيمن الظواهري، وطلب وساطة زعيم تنظيم القاعدة. استغرق الأمر مدة الشهرين ليأتي خطاب الظواهري ردًا على هذا الخلاف، وذلك في رسالةٍ خاصة سُرِّبت إلى قناة الجزيرة، حينما قال إنه يرفض الاندماج وأوعز إلى البغدادي البقاء في العراق، والجولاني في سورية. وأصدر بيانًا يقضي بأن جَبهَة النُّصرة فرعٌ لتنظيم القاعدة الرسمية في سورية. تجاهل البغدادي هذا البيان. جادل أنصاره بأنهم غير مُلزَمين بهذا البيان طالما فَرَّق الظواهري بين العراق وسورية، معترفًا بذلك بحدود سايكس وبيكو الاستعمارية، وأن ذلك ليس إلا دليلًا على ليونة قائد تنظيم القاعدة.

انقسمت النُّصرة فيما بينها؛ جزءٌ بقي مع الجولاني، في حين تَبِعَ آخرون البغدادي، خاصةً المقاتلون الأجانب، أو كما يُطلَق عليهم «المهاجرون» ، وانضموا إلى دولة العراق الإسلامية، وظلت جَبهَة النُّصرة سوريةً أكثر تقريبًا. خَلَّف ما حدث أثر ًا عميقًا:"النُّصرة كلها أصبحت دولة العراق والشام الإسلامية، وكنا قليلون"كما قال لي أحد المُقَرَّبين من الجولاني. أضاف ذات الشخص:"زعيم النُّصرة كان يتوقع مشاكل تتعلق بالتنظيم من مثل طائرات بدون طيار، وفيات من القادة، ولكنه لم يكن يتوقع أبدًا أننا سنقع في نزاع مع العراق."

من المعلوم أن «الدولة» في عبارة «الدولة الإسلامية» في اللغة العربية هي شبيهةٌ بالدولة، والتي تعني بالضبط كيف تبدو كدولة ذات سيادة وليست كفصيل بين جماعات مقاتلة كثيرة ضد النظام السوري. نظريًا، قائد الدولة الإسلامية يُعتبر أمير المؤمنين، وسلطته تشمل المسلمين كافةً، وكافة التنظيمات مثل تنظيم القاعدة. كان البغدادي يقول بأنه ليس مساويًا للظواهري، بل هو متفوقٌ عليه وهو ما سيثبته خلال الأشهر المقبلة.

بدأت الدولة الإسلامية بإقامة دولتها على الأراضي التي سيطرت عليها، وعلى الأخص في الرقة شمال شرق البلاد، المحافظة الوحيدة من 14 محافظة سورية التي خرجت من قبضة النظام بالكامل، في مايو عام 2013، انتزعتها الدولة الإسلامية من الثوار، بما فيهم النُّصرة، والذين حرروها في مارس. وبحلول شهر أغسطس عززت قبضتها وجعلت المدينة ذات الـ 200 ألف شخص، عاصمةً لها، وملأت سجنها بأي شخص كان يعارضها أو يحاسبها أو أيًا كان ممن كان منخرطا في أنشطة معادية للإسلام. واعتقلت النشطاء والمدنيين وقادة الجيش الحُر، وحتى أولئك الذين ينتمون إلى جماعاتٍ إسلاميةٍ متشددة؛ واعتقلت في الرقة أمير جَبهَة النُّصرة هناك أبو سعيد الحضرمي والذي قتلته بعد ذلك.

بدا أن الدولة الإسلامية تتعلم بشكلٍ بطيء، فإن وضعها يشبه ذلك الذي تَجَسَّدَ في وقتٍ سابق حين حاولت إقامة دولتها في المناطق السُنّيّة من العراق بعد الغزو الأمريكي. وفي الرقة، كانت القوانين واضحة؛ طُلِب من النساء ارتداء النقاب الذي يغطي الوجه ومُنِعنَ من ارتداء السراويل. كانت الصلوات واجبة، والعقوبات كانت وفق الشريعة، مثل قطع يد السارق. لم ترحم، حتى أنها صَلَبَت بعض أعدائها في ساحةٍ عامة في الرقة، وكانت تطلق أحكام الكفر على مسلمين آخرين. وارتدى مقاتلوها الأحزمة الناسفة وشَكَّل ذلك مصدر رعبٍ للمدنيين والثوار على حدٍ سواء.

مقر الدولة الإسلامية في الرقة أنيق، حيث رُفعت رايةٌ سوداء ضخمة في الساحة أمام المقر، والمقر لم يُستهدف بأية غارة جوية والتي كانت متكررة على المدينة من النظام، مما دفع المعارضة السورية من السياسيين الإدعاء بأن الدولة الإسلامية من صنع النظام، أو أنها متواطئة معها. كان هناك القليل من الأدلة لافتراض أحدهما، لكن ما هو أكيد؛ أن الدولة الإسلامية كانت تلعب مباشرةً في سردية الأسد والتي حاولت النُّصرة تجنبها؛ وهي أن معارضي النظام هم إسلاميون متطرفون. الدولة الإسلامية كانت متطرفة جدًا لدرجة أنها أظهرت النُّصرة معتدلةً بالمقارنة معها.

سمعت هذا مباشرةً في أواخر أبريل عندما التقيت اثنين من الجهاديين في مدينة أنطاكيا بجنوب تركيا. أبو درعا، رجلٌ هادئ، كان أمير الدولة الإسلامية في قرية قرب الرقة، إلا أنه غادرها بسبب الخلاف مع تنظيم القاعدة."من ما رأيت أستطيع القول إن الدولة متعطشةً للدماء. بالنسبة لها فإن قتل رجل كشربة ماء"كما قال لي. وأضاف:"إنهم يرتكبون أخطاء. وللنُّصرة دعمٌ شعبيٌّ واسع، ولديها كمٌّ من الإنجازات والعمليات ضد النظام، في حين أن الدولة الإسلامية عندما أتت إلى هنا بعد الانقسام، كانت مثل المنشار الذي يقطع في كلا الاتجاهين. وقد رأى الناس أن النُّصرة أرحم"

صديقه، أبو الخطاب كان يقاتل مع النُّصرة، لكنه الآن اتجه إلى الرقة للانضمام إلى الدولة الإسلامية كما أخبرني، وقال:"كانت النُّصرة أرحم في الواقع لأنها لم تكن تفرض عقوبات شرعية صارمة، مثل قطع يد السارق"وأضاف:"حتى الأطفال يعرفون أن يد السارق يجب أن تقطع"كما أَكَّد أبو الخطاب:"إذا لم تكن نفعل أي خطأ فلِمَ تخاف؟"

لكن لهذه القسوة نتائج عكسية واستعداءٌ من السكان المحليين، المسلحين والمدنيين على حدٍ سواء، وفي 3 يناير 2014، انتفضوا في اشتباكاتٍ مسلحة والتي انتشرت بسرعة في معظم أنحاء شمال سورية. حاولت النُّصرة في البداية التواسط، لكن بعد يوم 3 فبراير، تبرأ تنظيم القاعدة من الدولة، عندما أعلن تنظيم القاعدة بيانًا قيل فيه:"لم تخطر بإنشائها، ولم تستأمر فيها ولم تستشر، ولم ترضها، بل أمرت بوقف العمل بها، ولذا فهي ليست فرعًا من جماعة قاعدة الجهاد، ولا تربطها بها علاقة تنظيمية، وليست الجماعة مسؤولة عن تصرفاتها .."

اعتبرت الدولة أن القاعدة قد انحرفت عن الطريق الصحيح للجهاد. ظواهري القاعدة ليس كابن لادن كما يُقال،"الدولة ليست فرعًا تابعًا للقاعدة، ولم تكن يومًا كذلك، بل لو قدّر الله لكم أن تطؤوا أرض الدولة الإسلامية: لَمَا وسعكم إلا أن تبايعوها، وتكونوا جنودًا لأميرها القرشي"هذه الجرأة لم يسبق لها مثيل، وعدم قدرة الظواهري على كبح جماح البغدادي جعله يبدو ضعيفًا.

المقاتلون الأجانب يميلون إلى التديُّن أكثر من السوريين في النُّصرة أو في الدولة الإسلامية، والذين تحملوا العبء الأكبر من الحركات المعادية للدولة الإسلامية من قِبَل الجماعات المتمردة الأخرى.

انضم بعضهم إلى النُّصرة والبعض الآخر حاول الفرار إلى تركيا، في حين أن آخرين كانوا يبحثون إما عن القتال أو التفاوض للوصول إلى ممرٍ آمن يؤدي إلى مدينة الرقة. وفي الوقت نفسه تمت إعادة تشكيل الدولة الإسلامية في الشمال الشرقي وشرق المناطق المحيطة للحدود العراقية.

مع ازدياد النعرات الجهادية بين الجهاديين، ومواصلة الثوار المعتدلين طلبهم غير المجدي للمساعدة، كانت قوات النظام موحدة الموقف حيث دفعت إلى بعض المناطق التي يسيطر عليها الثوار، بينما فشلت الدبلوماسية في إيجاد حلٍ للصراع، انتشرت صور مروعة للموت والمذابح بين صفوف المقاتلين الأجانب من جميع أنحاء العالم، على كلا الجانبين من الصراع، وكان الشيعة والإيرانيون مع النظام، وخليطٌ من جنسياتٍ كنت أراها في زياراتي الدورية إلى بلدي سورية، بما في ذلك الشيشانيون والتونسيون والليبيون واللبنانيون يقاتلون جنبًا إلى جنب الثوار السُنّة، علمت أن أبو أسامة العسكري الأمريكي السابق والذي اعتنق الإسلام، كان يدرب الجهاديين في الحرب (لم أستغرب عندما رفض إجراء مقابلةٍ معي) . عرفت أن أحد أكبر أمراء جَبهَة النُّصرة يُجَنِّد ويدرب خلية من الفلسطينيين والعرب الإسرائيليين.

دخل العديد من المهاجرين من خلال تركيا إلى المناطق التي يسيطر عليها الثوار شمال سورية، كان هناك العديد من طرق التهريب على طول 511 ميل من الحدود السورية التركية، معظمها كان يُستَخدَم بشكلٍ متواصل قبل الانتفاضة السورية، مساحاتٌ شاسعة من الأراضي السورية المتاخمة لتركيا سقطت من أيدي الحكومة، وأصبحت سهلة العبور، وبحلول صيف عام 2012، حصل الثوار على معبر باب الهوى، وهو المعبر الرسمي بين سورية وتركيا، مما مَكَّن دخول الرجال والمال والذخائر والمساعدات الإنسانية من المانحين من القطاع خاص ليتم نقلهم بواسطة سيارة في شمال سورية.

تدفق المهاجرون من تلقاء أنفسهم منذ الشهور الأولى لعام 2012، ومع الأيام سيزداد التدفق، كان من السهل على المقاتلين الأجانب الوصول عبر الرحلات الداخلية من اسطنبول إلى هاتاي وهي ولايةٌ تركية قرب سورية. الرجال ذوي اللحى الطويلة والسراويل القصيرة التي يرتدونها فوق الكاحل على طريقة النبي مُحَمَّد. انضموا أساسًا إلى الجماعات الجهادية، على الرغم من أنها أصبحت بعد ذلك جُزءًا من الجيش الحُر. وبحلول منتصف سبتمبر 2012، أنشأت النُّصرة جماعةً أكثر تنظيمًا لتسهيل عملية دخول المجاهدين إلى سورية، عبر «أمير الحدود» ، أخذت القيادة العامة لتنظيم القاعدة في أفغانستان على عاتقها وظيفة تفاصيل تلك التسهيلات مع منسقين لها في تونس وشبه الجزيرة العربية.

"كان ذلك خطأ"، قال أحد أفراد النُّصرة على علمٍ بتلك التفاصيل، لأن الكثير من المهاجرين انقلبوا في وقتٍ لاحق ضد جماعاتهم، كانوا عمومًا أكثر جمودًا من نظرائهم المحليين."أنا مندهش من بعض هؤلاء الناس"، كما قال عضو النُّصرة."كانوا عنيدين وقدرتهم على الاستيعاب بطيئة. كانت رؤوسهم يابسة مثل الجدران."

تم استئجار أربعة منازل في منتصف الطريق في هاتاي: اثنان في المدينة الرئيسية أنطاكية، وواحد في الريحانية (لا تبعُد كثيرًا عن معبر باب الهوى) والأخير في كريخان في شمال شرق البلاد، سيتم نقل الرجال إلى خارج مطار هاتاي."في الأيام الخامدة قد يكونون خمسة رجال وفي الأيام النشطة يصل تعدادهم إلى 15"كما قال المصدر المُطَّلع في النُّصرة. في البداية، يتم إرسالهم إلى أطمة، إلى مخيم للمهاجرين الذي لا يبعد كثيرًا عن الحدود، في نهاية المطاف، فإن الأتراك حفروا خندقًا عميقًا في الأرض المسطحة على طول حدودهما في أطمة، مما جعل العبور عبره صعبًا، كما أصبح المخيم سيء السمعة بعد أن خُطف 2 من الصحفيين الأجانب بطريق الخطأ. وبحلول فبراير عام 2013، أُغلق الخندق.

ومع ذلك فإن المقاتلين الأجانب، لازالوا يتدفقون إلى سورية، والبعض الآخر واصل إلى العراق، بحلول شهر مارس، وبحسب ما ورد تم إنشاء مخيم جديد للنُّصرة مخصص للمقاتلين الأجانب في رأس الحصن، والذي كان واحدًا من الأسباب الأساسية لسفري إلى قريةٍ صغيرة قديمة في محافظة إدلب. كان يوم 2 مارس حين أتيت لتلبية دعوة أمير النُّصرة أبو راتب، الذي امتدت مساحة إمارته إلى أطمة.

قاد أبو راتب «الجيب» (Jeep) إلى نقطة تفتيش خارج قاعدته، كان يرتدي وشاحًا أسود، وسراولًا عسكريًا مموهًا، وسترة سوداء منتفخة، وكانت لديه لحيةٌ سوداء امتدت على صدره وكان صاحب عينين داكنتين. وافق من حيث المبدأ على التحدث معي، ولكن كان بحاجةٍ إلى أخذ الأذن من أخيه الأكبر، الذي كان مسؤولًا عامًا عن المحافظة، وكان مسافرًا في منطقةٍ أخرى في إدلب ولن يعود قبل عدة أيام.

كنت أنتظر مع عائلته إلى أن يأتي الإذن من أخيه. بقيت مع زوجته أم محمد، أمٌ لثلاثة أولاد تبلغ من العمر 27 عامًا. أدخلتني إلى الغرفة التي تُمضي بها معظم وقتها مع أولادها؛ بنت عمرها 3 سنوات، وبنت 15 شهرًا، ومُحَمَّد وعمره شهرين.

مع تناولنا للقهوة والتمر، كان العديد من النسوة من جيران أم محمد يتحدثن إليّْ وهُنَّ يشعرن بالأسف على الممارسات القاسية التي تمارسها الدولة الإسلامية. قلنّ لي إن هناك مصريًا من الدولة الإسلامية قتل زوجته، وهي طبيبة، لأنها عملت جنبًا إلى جنب مع طبيبٍ غريب، سألت أم محمد:"من سيقدم لنا العلاج الآن بعد مقتل الطبيبة؟"ورَوَت لنا والدة أبو راتب حكايةً عن امرأةٍ كانت تبكي دخلت مرةً إلى مقر النُّصرة وخلعت حجابها أمام الأمير، معلنةً أنها لا تريد أن تكون مسلمةً بعد اليوم، قالت إن سبعةً من أفراد الدولة الإسلامية «تزوجوها» واحدًا تلو

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت