الصفحة 374 من 560

ويبدو أنه تخصص في بادئ الأمر في دراسة فقه الشافعي، وبرز فيه إلا أنه تحول بعد ذلك إلى دراسة اللغة، وساعده على ذلك أنه اختلط ببعض القبائل العربية الفصيحة فترة طويلة؛ حيث وقع في الأسر لديهم؛ فقد حدث أيام فتنة القرامطة سنة 312هـ في أيام المقتدر بالله المعتضد أن كان الأزهري مسافرًا إلى الحج، وعنده عودته أسرته الأعراب، وعاش فترة طويلة بين عرب هوازن وقد اختلط بهم تميم وأسد، وهؤلاء جميعًا من فصحاء العرب، ويحكي ذلك الأزهري نفسه كما روته كتب التراجم فيقول: = وكنت امتحنت بالإسار سنة عارضتِ القرامطة الحجاج بالهبير (1) ، وكان القوم الذين وقعت في سهمهم عربًا نشأوا بالبادية يتتبعون مساقط الغيث أيام النُّجَع، ويرجعون إلى أعداد المياه، ويرعون النَّعم، ويعيشون بألبانها، ويتكلمون بطباعهم البدوية، وقرائحهم التي اعتادوها، ولا يكاد يوجد في منطقهم لحن أو خطأ فاحش، فبقيت في إسارهم دهرًا طويلًا، وكنا نتشتى الدهناء، ونرتبع الصُّمَّان، ونتقيظ السِّتارَين.

واستفدت من مخاطباتهم، ومحاورة بعضهم بعضًا ألفاظًا جمة، ونوادر كثيرة، أوقعت أكثرها في مواقعها من الكتاب+ (2) .

وقد رجع الأزهري _ بعد انتهاء أسره _ إلى بغداد وكله شوق إلى دراسة اللغة وولوع بالبحث عن معاني الألفاظ والاستقصاء فيها، وأخْذِها من مظانها، وإحكام الكتب التي تأتَّى له سماعها من أهل الثبت والأمانة للأئمة المشهورين وأهل العربية المعروفين، وقد حكى ذلك عن نفسه في مقدمة كتابه التهذيب.

وفي بغداد تتلمذ على أبي عبدالله إبراهيم بن محمد بن عرفة الملقب بـ: نفطويه ت323هـ، وأبي بكر محمد بن السري المعروف بابن السراج ت 316هـ، وأبي القاسم عبدالله بن محمد بن عبدالعزيز البغوي ت317هـ).

(1) _ الهبير: رمل زرود في طريق مكة.

(2) _ تهذيب اللغة 1/7.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت