الصفحة 450 من 560

من الجلي أن العرب لم يصرحوا بعمل القياس في شيء من أحوال الكلم أو نظم الكلام، ولكن علماء اللسان يتتبعون موارد كلامهم، ويتعرفون أحواله؛ فإذا وجدوا في الكلم نفسها، أو تأليفها حالًا جرى عليها العرب بحيث يصح أن تكون موضع قدوة استنبطوا منها قاعدة؛ ليقاس على تلك الألفاظ المسموعة أشباهها ونظائرها.

وقد يختلفون في صحة القياس لأسباب سيأتي ذكرها في الفقرة التالية.

خامسًا: أسباب اختلاف العلماء في القياس (1) : هناك أسباب لاختلاف العلماء في صحة القياس منها:

1_ أن يتوافر لدى العالِم من استقراء كلام العرب ما يكفي لتركيب قاعدة؛ فيجيز القياس، ولا يبلغ الآخر بتتبعه مقدار ما يؤخذ منه حكمٌ كلي؛ فيَقْصُر الأمر على السماع.

2_ قد يستوي الفريقان، أو يتقاربان فيما عرفوه من الشواهد، ويكتفي به أحدهما في فتح باب القياس، ويستقله الآخر؛ فلا يتخطى به حد السماع.

3_ قد يختلفون في القياس؛ نظرًا إلى ما يقف لهم من الأحوال التي تعارض السماع؛ فالكوفيون الذين يكتفون في بعض الأقيسة بالشاهد والشاهدين _ قالوا:

إن صيغ المبالغة: (فعَّال ومِفْعال وفعول) لا تعمل عمل اسم الفاعل، وأخذوا يؤلون الشواهد التي سردها البصريون مثل:

أخو الحرب لباسًا إليها جلالها

... وليس بولاج الخوالف أعقلا

واعتذروا عن عدم قبولها والتمسك بظاهرها بأن اسم الفاعل إنما عمل لشبهه بالفعل المضارع في وزنه، والصيغُ المذكورةُ لم تجئ على الوزن الذي قرب اسم الفاعل من أصله الذي هو المضارع، أخذًا بتلك الشواهد، وأبطلوا ما اعتذر به الكوفيون؛ فقالوا في جوابهم: إن المبالغة التي قوي بها المعنى في تلك الأبنية جبرت ما نقصها من الشبه في اللفظ؛ فنقابل مشابهة اسم الفاعل للمضارع في اللفظ بزيادة المعنى الذي اختصت به أبنية المبالغة؛ فتحصُل الموازنة، والتساوي في طلب العمل من غير تفاضل.

(1) _ انظر القياس ص69_70، وظاهرة قياس الحمل ص101_134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت