فهرس الكتاب
وإذا كانت كلمة الله لا يصح أن ترتل بلغة أقل مستوى من أية لغة أخرى _ فقد بدأت العواصم الإسلامية في ذلك العصر المبكر _في الكوفة، والبصرة، والمدينة، ومكة_ دراسة نشيطة للشعر البدوي، فكان الرجال المهتمون بهذا النمط في اللغة العربية يذهبون إلى جيرانهم من البدو، ويجمعون ما أمكنهم من أشعارهم، وما يتصل بها من الحكايات، وهي في الغالب أخبار عن الحروب الصغيرة التي جمعت تحت عنوان: (أيام العرب) .
وقد اتُّخذت المادة التي جُمعت بهذه الطريقة أساسًا للعربية النموذجية التي ابتدعها النحويون، ثم حذيت لغة القرآن على نمطها، ومع ذلك لم تتغير كتابة المصحف، بل ابتدعت طريقة تضاف فيها علامات مختلفة إلى النص؛ لضمان صحة القراءة+.
ثم يقول باول كاله: =ولم تذكر كتب القراءات بوجه عام شيئًا عن النشاط المبكر للقراء، فقد ضاعت أو أهملت تلك الكتب التي ذكرت شيئًا عن هذا النشاط فيما عدا خبرًا عثرت عليه مؤخرًا، ويمكن أن نرى من خلاله ذلك التطور+ (1) .
يقول د. رمضان عبدالتواب معلقًا على ذلك: =ويظن باول كاله أنه عثر على بغيته في اقتباس عن الفراء وَجَدَهُ في مجموعة مخطوطة بمكتبة (تشستربتي) chester Beatty رقم 705 وفيه: =قال الفراء: وقد رأينا أهل القراءة الذين يعرفون الكتاب والسنة من أهل الفصاحة اجتمعوا على أنه نزل بأفصح اللغات، فاعترض في ذلك أقوام ممن ينظر في الأشعار وأيام العرب، فقالوا: إنما فضل القرآن من فضله؛ لما أوجب الله من تعظيم القرآن، فإذا صرنا إلى الفصاحة وجدناها في أهل البوادي.
واختلفوا في ذلك؛ فقال أهل الكوفة: الفصاحة في أسد؛ لقربهم جوارهم منهم.
وقال أهل البصرة: الفصاحة في عَلْيا تميم وسُفلى قيس من عكل وعقيل.
وقال أهل المدينة: الفصاحة في غطفان؛ لأنهم جيرانهم.
وقال أهل مكة: الفصاحة في كنانة بن سعد بن بكر وثقيف.
(1) -فصول في فقه العربية ص334_335