فهرس الكتاب
4_ يرى أن النحاة حين اعتقدوا أن للحركات مدلولًا حَرَّكوا أواخر الكلمات التي لا داعي إلى تحريكها؛ لتطرد قواعدهم الإعرابية؛ فقالوا _ مثلًا _: (الشجر مورق) ، يقول: =فما السر _ إذن _ في إصرار النحاة على تحريك الراء في كلمة الشجر بتلك الحركة الإعرابية المشهورة؟
في الحق أنه لا ضرورة للحركة في مثل هذا الموقع، ولكن النحاة حين أرادوا اطراد قواعدهم الإعرابية توهموا أن هنا _ أيضًا _ حركة، والتمسوا لها وجهًا من وجوه الإعراب+ (1) .
5_ وعندما يأتي إلى الإعراب بالحروف فإنه يرجعه إلى اختلاف اللهجات؛ فيرى أن إحدى صوره تخص قبيلة معينة، والأخرى تخص قبائل أخرى.
فمثلًا بعض القبائل استخدمتها: مسلمون، والأخرى مسلمين، وبعضها تقول: أبو، والأخرى تقول: أبي، والثالثة تقول: أبا.
فجاء النحاة _ كما يزعم _ وجمعوا كل هذه الصور، وخصوا كل صورة منها بحالة إعرابية معينة، فهو يفترض مثلًا أن هناك قبائل عربية كانت تنطق المثنى بالياء في جميع الحالات، ثم تطورت الياء فصارت ألفًا عند بعض القبائل في جميع الحالات؛ فلم يفهم النحاة سرَّ الموضوع؛ فجمعوا بين الصورتين، وخصوا الأولى بحالتي النصب والجر، وخصوا الثانية بحالة الرفع.
ويذهب إلى مثل هذا في الأفعال الخمسة، والأسماء الخمسة.
وقد توصل إلى ذلك دونما بينة أو برهان، وإنما قاله اعتمادًا منه على أن النحو مصنوع (2) .
وبعد أن عَرَض لمسألة الإعراب بالحروف قال في نهاية الحديث:
=وهكذا نرى مما تقدم أن ما سماه النحاة إعرابًا بالحروف لا يكاد يمتُّ لحقيقة اللغة بصلة، ولا يكاد يعدو _ كما رأينا في عرضنا السريع _ أنه كان لبعض الكلمات المعينة أكثر من صورة في اللهجات السابقة، ولكن أصحاب اللهجة الواحدة كانوا يلتزمون صورة واحدة لا ينحرفون عنها في كل الحالات والمواضع+. (3)
(1) _ من أسرار اللغة ص256.
(2) _ انظر من أسرار اللغة ص270_274.
(3) _ من أسرار اللغة ص274.