فهرس الكتاب
ولا يمكن أن يدور في خلد أحد أن النبي"كان لا يحرك أواخر الكلمات في تلاوته لنص القرآن الكريم إلا إذا اقتضت ضرورة وصل الكلمات، أو بعبارة أخرى إذا أراد التخلص من التقاء الساكنين؛ فلا يتصور أبدًا أن يُظن أن النبي"كان يتلو _ على سبيل المثال _ قوله _ تعالى _: [ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1) مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (2) وَإِنَّ لَكَ لأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (3) وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (4) ] (القلم) بتسكين أواخر الكلمات _ القلم _ بنعمة _ ربك _ وإنك _ خلق _.
فذلك لم يحدث قطعًا، ولو حدث لوصل إلينا روايات من ذلك.
ثم إن اتفاق القُرَّاء، ونصُّهم على مواضع الاختلاف دليل على وجود الإعراب، ولو كان مصنوعًا لوصلنا براوية واحدة.
وهذا وحده كافٍ في نفي كون النحو مصنوعًا.
7_ أن الرسم القرآني الذي نقل إلينا متواترًا يؤيد وجود الإعراب في الفصحى، وأنه ليس من اختراع النحاة؛ فالتفرقة واضحة بين المنصوب بالياء، والمرفوع بالألف أو الواو، والمنوَّن كل ذلك يؤكد بأن ظاهرة الإعراب موجودة.
ولا ريب أن المصحف العثماني قد دُوِّن في عصر سابق بأمدٍ غيرِ قصير لعهد علماء البصرة والكوفة الذين ينسب إليهم اختراع قواعد الإعراب.
8_ تَنَبُّهُ العلماءِ في الصدر الأول لحركات الإعراب، وإدراكُهم لمدلولها، وعيبُهم من يحيد عنها ممن فسدت ألسنتهم بمخالطتهم للأعاجم؛ فذلك يدل دلالة صادقة على وجود الإعراب في الكلام، وشعورِ أولئك القوم به قبل أن يخرج النحاة بقواعدهم على الناس.
والأخبار الواردة عن أهل الصدر الأول في هذا الصدد كثيرة جدًا، وإن كان بعضها لا يخلو من مسحة التكلف، والصنعة، لكنها _في الجملة_ تدل على ذلك _كما مر_.
ومن الأمثلة على ذلك ما يلي: