فهرس الكتاب
وهذا شيء يعتقده المسلم لا ينازعه فيه شك، وهو أن الذين صانوا العربية ووضعوا لها القواعد التي حفظتها طوال هذه القرون، وأقامت ألسنة الناطقين بها على سننها _ كانوا يعملون بهداية من الله ورعاية وتوفيق؛ لأنهم كانوا الأسباب إلى تحقيق وعده الصادق النافذ في قوله _ عز وجل _ [إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) ] الحجر.
وهل يكون حفظه إلا بحفظ لغته؟
هذا أمر لا صلة له بمناهج البحث، ومنطق الفكر؛ لأنه ينزل من المسلم منزلة العقيدة المُسَلَّمة التي لا تحتاج إلى برهان، ولا ينازعه فيه شك مهما رأى غير المسلمين فيه، ومهما خطر على باله من وساوس وهواجس تدعو إلى اطراحه، أو التهوين من شأنه.
والدليل على أن هذه القواعد قد صانت اللغة العربية من التبديل والتحريف فأصبحت بذلك ظاهرة فذة لا يشبهها شيء من لغات العالم _ أننا نقرأ القرآن كأنه أنزل فينا اليوم، ونقرأ أبا تمام والبحتري والمتنبي وكأننا نقرأ البارودي أو شوقيًا (1) .
هذا وسيتضح مزيد بيان لهذه الحقائق في الفقرات التالية.
ثانيًا: إدراك الأعداء لأهمية اللغة: لقد أدرك أعداء الإسلام والعربية أهمية اللغة وخطرها على مطامع الاستعمار، وخطرها في وَحْدَة الأمة، وتماسكها، وارتباط حاضرها بماضيها.
ومن هنا كان سعيهم الحثيث لتفتيت وحدة الأمة، وتجزئتها، وجعلها دويلات متناحرة؛ لأجل أن تستمر التبعية لهم؛ فشرعوا جاهدين إلى هذا المقصد، وأخذوا بكل وسيلة ممكنة لتحقيق هذه المطالب؛ فكان من أعظم ما توصلوا إليه، وقاموا به أن ضربوا الأمة في لغتها، واتخذوا لذلك أساليب شتى، وجندوا مطاياهم من المستغربين لذلك؛ فصارت الطعنات المتتالية في العربية داعية إلى إقصائها أو إضعافها، والنيل منها _ كما سيأتي بيان ذلك _ (2) .
(1) _ انظر: مقالات في اللغة والأدب د. محمد محمد حسين ص75_76، وفي سبيل لغة القرآن د. مرزوق بن تنباك ص15.
(2) _ انظر في سبيل لغة القرآن ص15_16.