فهرس الكتاب

الصفحة 136 من 299

وإذا قال من قال من أهل الإثبات للصّفات:"أنا أُثبتُ صفات اللّه زائدةً على ذاته": فحقيقةُ ذلك أنّا نُثبتُها زائدةً على ما أثبتها النفاة من الذّات. فإنّ النفاة اعتقدُوا ثُبُوت ذاتٍ مُجرّدةٍ عن الصّفات فقال أهلُ الإثبات: نحنُ نقُولُ بإثبات صفاتٍ زائدةٍ على ما أثبتهُ هؤُلاء. وأمّا الذّاتُ نفسُها الموجُودةُ فتلك لا يُتصوّرُ أن تتحقّق بلا صفةٍ أصلًا بل هذا بمنزلة من قال: أُثبتُ إنسانًا ؛ لا حيوانًا ولا ناطقًا ولا قائمًا بنفسه ولا بغيره ولا لهُ قُدرةٌ ولا حياةٌ ولا حركةٌ ولا سُكُونٌ أو نحوُ ذلك أو قال: أُثبتُ نخلةً ليس لها ساقٌ ولا جذعٌ ولا ليفٌ ولا غيرُ ذلك ؛ فإنّ هذا يُثبتُ ما لا حقيقة لهُ في الخارج ولا يُعقلُ. ولهذا كان السّلفُ والأئمّةُ يُسمُّون نفاة الصّفات"مُعطّلةً"لأنّ حقيقة قولهم تعطيلُ ذات اللّه تعالى ؛ وإن كانُوا هُم قد لا يعلمُون أنّ قولهُم مُستلزمٌ للتّعطيل ؛ بل يصفُونهُ بالوصفين المُتناقضين فيقُولُون: هُو موجُودٌ قديمٌ واجبٌ ؛ ثُمّ ينفُون لوازم وُجُوده ؛ فيكُونُ حقيقةُ قولهم: موجُودٌ ليس بموجُود حقٌّ ليس بحقّ خالقٌ ليس بخالق فينفُون عنهُ النّقيضين: إمّا تصريحًا بنفيهما وإمّا إمساكًا عن الإخبار بواحد منهُما. ولهذا كان مُحقّقُوهُم"وهُم القرامطةُ"ينفُون عنهُ النّقيضين فلا يقُولُون: موجُودٌ ولا لا موجُودٌ ولا حيٌّ ولا لا حيٌّ ولا عالمٌ ولا لا عالمٌ. قالُوا: لأنّ وصفهُ بالإثبات تشبيهٌ لهُ بالموجُودات ووصفهُ بالنّفي فيه تشبيهٌ لهُ بالمعدُومات. فآل بهم إغراقُهُم في نفي التّشبيه إلى أن وصفُوهُ بغاية التّعطيل. ثُمّ إنّهُم لم يخلُصُوا ممّا فرُّوا منهُ بل يلزمُهُم على قياس قولهم أن يكُونُوا قد شبّهُوهُ بالمُمتنع الّذي هُو أخسُّ من الموجُود والمعدُوم المُمكن. ففرُّوا في زعمهم من تشبيهه بالموجُودات والمعدُومات ووصفُوهُ بصفات المُمتنعات الّتي لا تقبلُ الوُجُود بخلاف المعدُومات المُمكنات. وتشبيهُهُ بالمُمتنعات شرٌّ من تشبيهه بالموجُودات والمعدُومات المُمكنات. وما فرّ منهُ هؤُلاء الملاحدةُ ليس بمحذُور. فإنّهُ إذا سُمّي حقًّا موجُودًا قائمًا بنفسه حيًّا عليمًا رءُوفًا رحيمًا وسُمّي المخلُوقُ بذلك ؛ لم يلزم من ذلك أن يكُون مُماثلًا للمخلُوق أصلًا. ولو كان هذا حقًّا لكان كُلُّ موجُودٍ مُماثلًا لكُلّ موجُودٍ ؛ ولكان كُلُّ معدُومٍ مُماثلًا لكُلّ معدُومٍ. ولكان كُلُّ ما

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت