فهرس الكتاب
يُنفى عنهُ شيءٌ من الصّفات مُماثلًا لكُلّ ما يُنفى عنهُ ذلك الوصفُ. فإذا قيل: السّوادُ موجُودٌ كان على قول هؤُلاء قد جعلنا كُلّ موجُودٍ مُماثلًا للسّواد. وإذا قُلنا: البياضُ معدُومٌ كُنّا قد جعلنا كُلّ معدُومٍ مُماثلًا للبياض. ومعلُومٌ أنّ هذا في غاية الفساد ويكفي هذا خزيًا لحزب الإلحاد. وإذا لم يلزم مثلُ ذلك في السّواد الّذي لهُ أمثالٌ بلا ريبٍ ؛ فإذا قيل في خالق العالم إنّهُ موجُودٌ لا معدُومٌ حيٌّ لا يمُوتُ قيُّومٌ لا تأخُذُهُ سنةٌ ولا نومٌ فمن أين يلزمُ أن يكُون مُماثلًا لكُلّ موجُودٍ ومعدُومٍ وحيٍّ وقائمٍ ؛ ولكُلّ ما يُنفى عنهُ العدمُ وما يُنفى عنهُ صفةُ العدم وما يُنفى عنهُ الموتُ والنّومُ كأهل الجنّة الّذين لا ينامُون ولا يمُوتُون وذلك أنّ هذه الأسماء العامّة المُتواطئة الّتي تُسمّيها النُّحاةُ أسماء الأجناس سواءٌ اتّفقت معانيها في محالّها أو تفاضلت كالسّواد ونحوه ؛ وسواءٌ سُمّيت مُشكّكةً وقيل: إنّ المُشكّكة نوعٌ من المُتواطئة - إمّا أن تُستعمل"مُطلقةً وعامّةً"كمّا إذا قيل الموجُودُ ينقسمُ إلى واجبٍ ومُمكنٍ وقديمٍ ومُحدثٍ وخالقٍ ومخلُوقٍ والعلمُ ينقسمُ إلى قديمٍ ومُحدثٍ. وإمّا أن تُستعمل"خاصّةً مُعيّنةً"كما إذا قيل: وُجُودُ زيدٍ وعمرٍو وعلمُ زيدٍ وعمرٍو وذاتُ زيدٍ وعمرٍو. فإذا اُستُعملت خاصّةً مُعيّنةً دلّت على ما يختصُّ به المُسمّى لم تدُلّ على ما يُشركُهُ فيه غيرُهُ في الخارج ؛ فإنّ ما يختصُّ به المُسمّى لا شركة فيه بينهُ وبين غيره. فإذا قيل: علمُ زيدٍ ونُزُولُ زيدٍ واستواءُ زيدٍ ونحوُ ذلك ؛ لم يدُلّ هذا إلّا على ما يختصُّ به زيدٌ من علمٍ ونُزُولٍ واستواءٍ ونحو ذلك لم يدُلّ على ما يُشركُهُ فيه غيرُهُ. لكن لمّا علمنا أنّ زيدًا نظيرُ عمرٍو وعلمنا أنّ علمهُ نظيرُ علمه ونُزُولهُ نظيرُ نُزُوله واستواءهُ نظيرُ استوائه فهذا علمناهُ من جهة القياس والمعقُول والاعتبار لا من جهة دلالة اللّفظ فإذا كان هذا في صفات المخلُوق ؛ فذلك في الخالق أولى. فإذا قيل: علمُ اللّه وكلامُ اللّه ونُزُولُهُ واستواؤُهُ ووُجُودُهُ وحياتُهُ ونحوُ ذلك ؛ لم يدُلّ ذلك على ما يُشركُهُ فيه أحدٌ من المخلُوقين بطريق الأولى ؛ ولم يدُلّ ذلك على مُماثلة الغير لهُ في ذلك كما دلّ في زيدٍ وعمرٍو لأنّا هُناك علمنا التّماثُل من جهة الاعتبار والقياس لكون زيدٍ مثل عمرو ؛ وهُنا نعلمُ أنّ اللّه لا