فهرس الكتاب

الصفحة 138 من 299

مثل لهُ ولا كُفُو ولا ندّ ؛ فلا يجُوزُ أن نفهم من ذلك أنّ علمهُ مثلُ علم غيره ولا كلامهُ مثلُ كلام غيره ولا استواءهُ مثلُ استواء غيره ولا نُزُولهُ مثلُ نُزُول غيره ولا حياتهُ مثلُ حياة غيره. ولهذا كان مذهبُ السّلف والأئمّة إثبات الصّفات ونفي مُماثلتها لصفات المخلُوقات. فاللّهُ تعالى موصُوفٌ بصفات الكمال الّذي لا نقص فيه مُنزّهٌ عن صفات النّقص مُطلقًا ومُنزّهٌ عن أن يُماثلهُ غيرُهُ في صفات كماله. فهذان المعنيان جمعا التّنزيه وقد دلّ عليهما قولُهُ تعالى: {قُل هُو اللّهُ أحدٌ} {اللّهُ الصّمدُ} . فالاسمُ"الصّمدُ"يتضمّنُ صفات الكمال والاسمُ"الأحدُ"يتضمّنُ نفي المثل كما قد بُسط الكلامُ على ذلك في تفسير هذه السُّورة. فالقولُ في صفاته كالقول في ذاته واللّهُ تعالى ليس كمثله شيءٌ لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله ؛ لكن يُفهمُ من ذلك أنّ نسبة هذه الصّفة إلى موصُوفها كنسبة هذه الصّفة إلى موصُوفها. فعلمُ اللّه وكلامُهُ ونُزُولُهُ واستواؤُهُ هُو كما يُناسبُ ذاتهُ ويليقُ بها كما أنّ صفة العبد هي كما تُناسبُ ذاته وتليقُ بها ونسبةُ صفاته إلى ذاته كنسبة صفات العبد إلى ذاته ؛ ولهذا قال بعضُهُم: إذا قال لك السّائلُ: كيف ينزلُ أو كيف استوى أو كيف يعلمُ أو كيف يتكلّمُ ويُقدّرُ ويخلُقُ؟ فقُل لهُ: كيف هُو في نفسه؟ فإذا قال: أنا لا أعلمُ كيفيّة ذاته ؛ فقُل لهُ: وأنا لا أعلمُ كيفيّة صفاته فإنّ العلم بكيفيّة الصّفة يتبعُ العلم بكيفيّة الموصُوف. فهذا إذا اُستُعملت هذه الأسماءُ والصّفاتُ على وجه التّخصيص والتّعيين - وهذا هُو الواردُ في الكتاب والسُّنّة - وأمّا إذا قيلت مُطلقةً وعامّةً - كما يُوجدُ في كلام النُّظّار: الموجُودُ ينقسمُ إلى قديمٍ ومُحدثٍ والعلمُ ينقسمُ إلى قديمٍ ومُحدثٍ ونحوُ ذلك - فهذا مُسمّى اللّفظ المُطلق والعامّ والعلمُ معنًى مُطلقٌ وعامٌّ والمعاني لا تكُونُ مُطلقةً وعامّةً إلّا في الأذهان لا في الأعيان ؛ فلا يكُونُ موجُودٌ وُجُودًا مُطلقًا أو عامًّا إلّا في الذّهن ولا يكُونُ مُطلقٌ أو عامٌّ إلّا في الذّهن ولا يكُونُ إنسانٌ أو حيوانٌ مُطلقٌ وعامٌّ إلّا في الذّهن ؛ وإلّا فلا تكُونُ الموجُوداتُ في أنفُسها إلّا مُعيّنةً مخصُوصةً مُتميّزةً عن غيرها. فليتدبّر العاقلُ هذا المقام الفارق فإنّهُ زلّ فيه خلقٌ من أُولي النّظر الخائضين في الحقائق حتّى ظنُّوا أنّ هذه المعاني

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت