فهرس الكتاب
خلقه {ليس كمثله شيء وهُو السّميع البصير} . وفي كتاب الإبانة لأبي الحسن الأشعريّ رحمهُ اللّه - الّذي ذكرهُ أبُو القاسم بن عساكر وعدّهُ من كُتُبه، وحكى كلامه فيه مُبيّنًا عقيدته، والذّبّ عنهُ قال: ذكر الاستواء على العرش إن قال قائل: ما تقُولُون في الاستواء؟ قال نقُول لهُ: إنّ اللّه مُستوٍ على عرشه، كما قال {الرّحمن على العرش استوى} وقال {إليه يصعد الكلم الطّيّب} وقال {يُدبّر الأمر من السّماء إلى الأرض ثُمّ يعرُج إليه} وقال حكاية عن فرعون {يا هامان ابن لهُ صرحًا لعلّي أبلُغ الأسباب أسباب السّماوات فأطّلع إلى إله مُوسى وإنّي لأظُنّهُ كاذبًا} كذّب فرعون مُوسى في قوله إنّ اللّه عزّ وجلّ فوق السّماوات، وقال اللّه {أأمنتُم من في السّماء أن يخسف بكُم الأرض} فالسّماوات فوقها العرش. فلمّا كان العرش فوق السّماوات، وكُلّ ما علا فهُو صمّاء، والعرش أعلى السّماوات. وليس إذا قال {أأمنتُم من في السّماء} أنّهُ يعني جميع السّماوات، وإنّما أراد العرش الّذي هُو أعلى السّماوات. ألا ترى أنّ اللّه عزّ وجلّ ذكر السّماوات فقال {وجعل القمر فيهنّ نُورًا} ولم يُرد أنّ القمر يملؤُهُنّ جميعًا. ورأينا المُسلمين جميعًا يرفعُون أيديهم إذا دعوا نحو السّماء ; لأنّ اللّه تعالى مُستوٍ على العرش الّذي هُو فوق السّماوات: فلولا أنّ اللّه عزّ وجلّ على العرش لم يرفعُوا أيديهم نحو العرش، كما لا يحُطُّونها إذا دعوا نحو الأرض. ثُمّ قال: فصل: وقد قال قائلُون من المُعتزلة والجهميّة والحرُوريّة: إنّ معنى قوله: {الرّحمن على العرش استوى} أنّهُ استولى وملك وقهر، وأنّ اللّه في كُلّ مكان، وجحدُوا أن يكُون اللّه على عرشه كما قال أهل الحقّ. وذهبُوا في الاستواء إلى القُدرة. ولو كان هذا كما قالُوا لكان لا فرق بين العرش والأرض السّابعة لأنّ اللّه قادر على كُلّ شيء. والأرض فاللّه قادر عليها، وعلى الحُشُوش وعلى كُلّ ما في العالم فاللّه تعالى لو كان مُستويًا على العرش - بمعنى الاستيلاء - فهُو علا وعزّ مُستوٍ على الأشياء كُلّها على العرش وعلى الأرض، وعلى السّماء، وعلى الحُشُوش وعلى الأقذار تعالى اللّه ; لأنّهُ قادر على الأشياء كُلّها مُستولٍ عليها، وإذا كان قادرًا على الأشياء كُلّها - ولم يجُز عند أحد من المُسلمين أنّ اللّه مُستوٍ على الحُشُوش، والأخلية - لم يجُز أن يكُون الاستواء على العرش الاستيلاء الّذي هُو عامّ في الأشياء