فهرس الكتاب
قال في فتح القدير: {وما أمرُ الساعة} التي هي أعظم ما وقعت فيه المماراة من الغيوب المختصة به سبحانه {إلاّ كلمح البصر} اللمح: النظر بسرعة، ولا بدّ فيه من زمان تتقلب فيه الحدقة نحو المرئي، وكل زمان قابل للتجزئة، ولذا قال: {أو هُو} أي: أمرهما {أقربُ} وليس هذا من قبيل المبالغة، بل هو كلام في غاية الصدق، لأن مدّة ما بين الخطاب وقيام الساعة متناهية، ومنها إلى الأبد غير متناه، ولا نسبة للمتناهي إلى غير المتناهي. أو يقال: إن الساعة لما كانت آتية ولا بدّ جعلت من القرب كلمح البصر. وقال الزجاج: لم يرد أن الساعة تأتي في لمح البصر، وإنما وصف سرعة القدرة على الإتيان بها، لأنه يقول للشيء كن فيكون، وقيل: المعنى هي عند الله كذلك وإن لم تكن عند المخلوقين بهذه الصفة. ومثله قوله سبحانه: {إنّهُم يرونهُ بعيدًا * ونراهُ قريبًا} [ المعارج: 6 - 7 ] . ولفظ « أو » في {أو هو أقرب} ليس للشك، بل للتمثيل. وقيل: دخلت لشك المخاطب، وقيل: هي بمنزلة بل {إنّ الله على كُلّ شىء قديرٌ} ومجيء الساعة بسرعة من جملة مقدوراته.
ثم إنه سبحانه ذكر حالة أخرى للإنسان دالة على غاية قدرته، ونهاية رأفته، فقال: {والله أخرجكُم مّن بُطُون أمهاتكم لا تعلمُون شيءًا} وهذا معطوف على قوله: {والله جعل لكُم مّن أنفُسكُم أزواجًا} منتظم معه في سلك أدلة التوحيد، أي: أخرجكم من بطون أمهاتكم أطفالًا لا علم لكم بشيء، وجملة {لا تعلمون شيءًا} في محل نصب على الحال، وقيل: المراد: لا تعلمون شيءًا مما أخذ عليكم من الميثاق. وقيل: لا تعلمون شيءًا مما قضي به عليكم من السعادة والشقاوة. وقيل: لا تعلمون شيءًا من منافعكم. والأولى التعميم لتشمل الآية هذه الأمور وغيرها اعتبارًا بعموم اللفظ، فإن {شيءًا} نكرة واقعة في سياق النفي.
قال البيضاوي: {اقترب للنّاس حسابهم} بالإضافة إلى ما مضى أو ما عند الله لقوله تعالى: {إنّهُم يرونهُ بعيدًا ونراهُ قريبًا} وقوله {ويستعجلُونك بالعذاب ولن يُخلف الله وعدهُ وإنّ يومًا عند ربّك كألف سنةٍ مّمّا تعُدُّون} أو لأن كل ما هو آت قريب وإنما البعيد ما انقرض ومضى، واللام صلة ل {اقترب} أو تأكيد للإضافة وأصله اقترب حساب الناس ثم اقترب للناس الحساب ثم اقترب للناس حسابهم.