فهرس الكتاب
الثَّانِي وَالعِشْرُونَ: تَدَاعِي الأُمَمِ عَلَيْنَا: عَن ثَوْبَانَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّاهِ صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ الأُمَمُ أَن تَدَاعَى عَلَيْكُم، كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصعَتِهَا» فَقَالَ قَائِلٌ: وَمِن قِلَّةٍ نَحْنُ يَومَئِذٍ؟ قَالَ: «بَل أَنتُم يَومَئِذٍ كَثِيرٌ، ولاكِنَّكُم غُثَاءٌ كَغُثَاءِ السَّيلِ؛ وَلَيَنزِعَنَّ اللّاهُ مِن صُدُورِ عَدُوِّكُمُ المَهَابَةَ مِنكُم، وَلَيَقذِفَنَّ اللّاهُ فِي قُلُوبِكُمُ الوَهْنَ» فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللّاهِ، وَمَا الوَهْنُ؟ قَالَ: «حُبُّ الدُّنيَا وَكَرَاهِيَةُ المَوتِ» [1] .
قَدْ تَجَلَّى هَذَا الحَدِيثُ النَّبَوِيُّ الشَّرِيفُ - بِأَقْوَى مَظَاهِرِهِ وَأَجْلَى صُوَرِهِ: فِي الفِتْنَةِ العُظْمَى الَّتِي ضَرَبَتِ المُسْلِمِينَ؛ فَفَرَّّقَتْ كَلِمَتَهُم، وَأَوْهَنَتْ عَزْمَهُم، وَشَتَّتَتْ صُفُوفَهُم.
فَقَد تَدَاعَتْ عَلَيْنَا الأُمَمُ: بِأَنْ يَدْعُوَ بَعْضُهُم بَعْضًا لِمُقَاتَلَتِكُم وَكَسْرِ شَوْكَتِكُم، وَسَلْبِ مَا مَلَكْتُمُوهُ مِنَ الدِّيَارِ وَالأَمْوَالِ.
كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ إِلَى قَصْعَتِهَا الَّتِي يَتَنَاوَلُونَ مِنْهَا: بِلَا مَانِعٍ وَلَا مُنَازِعٍ، فَيَأْكُلُونَهَا عَفَوًا وَصَفْوًا؛ كَذَلِكَ يَأْخُذُونَ مَا فِي أَيْدِيكُم: بِلَا تَعَبٍ يَنَالُهُم، أَو ضَرَرٍ يَلْحَقُهُم، أَو بَأْسٍ يَمْنَعُهُم.
وَلَيْسَ ذَلِكَ التَّدَاعِي لِأَجْلِ قِلَّةٍ: نَحْنُ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ، بَل نَحْنُ أَكْثَرُ عَدَدًا.
(1) ... رواه أبو داود (7924) ، وصححه الألباني رحمه الله في «صحيح سنن أبي داود» (3/25) .