فهرس الكتاب
حتى لما رجعت إحداهما إليه لتبلغه دعوة أبيها جاءته مستحيية متعففة، وهذا هو سمت الصالحات، ليست كهؤلاء اللاتي يتكلمن مع الرجال بوقاحة من غير حياء، قال تعالى: {فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا} [القصص: 25] فهلا اقتدى كل مسلم ومسلمة بأدب الصالحين من عباد الله.
فلا ينبغي التساهل في حديث الرجال مع النساء بوجه من الوجوه، حتى ولو كان ذلك الحديث عن طريق الهاتف، فتنبهي؛ فقد يكون صوت المرأة جميلًا فاتنًا يحرك القلوب المريضة فيجرها إلى المعصية ويوقعها في بلية العشق، وليس هذا بغريب، فإن الأذن قد تعشق كما تعشق العين، قال بشار بن برد:
يا قوم أذني لبعض الحي عاشقة ... والأذن تعشق قبل العين أحيانا
ولذلك أُمِرَت النساء بتحري الجادَّة في الكلام مع الرجال الأجانب، ونُهِين عن الخضوع بالقول وترخيم الصوت والكلام فوق قدر الحاجة.
وبهذا النوع من الكلام والاستماع لمثله أثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - زنا اللسان والأذن، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال - صلى الله عليه وسلم: «كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا مدرك ذلك لا محالة؛ فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا،