الصفحة 44 من 79

لقد افترى قوم فقالوا في عهده: إن محمدًا كان يعلمه بشر، وتلقف هذه الشبهة المستشرقون بعدهم فرددوها كما رددها أسلافهم، فمن هو؟ ومن سمعه؟ ومتى وأين كان ذلك؟ وهل هم جادّون فيما قالوا؟

الحقيقة أنه ما كان يعنيهم أن يكونوا جادين فيما يقولون بقدر ما كان يعنيهم أن يدرؤوا عن أنفسهم معرّة السكوت والإفحام، ولذلك اجتهدوا في البحث عن تعيين هذا البشر من يكون؟ فحدّدوا له صفتين:

الأولى: أن يكون من سكان مكة لترويج دعوى ملاقاة الرسول صلى الله عليه وسلم والإملاء عليه بكرة وأصيلًا.

والثانية: أن لا يكون من جلدتهم ليمكن أن يقال: إن عنده علم ما لم يعلموا. فالتمسوا هذه الصفات ـ لا في أهلها الموسومين بها من الربانيين والأحبار، ولا من القسيسين والرهبان ـ فزعموا أنهم وجدوها في حداد رومي، ولذلك قصم القرآن ظهرهم، فأبان عوار حججهم، وحوَّلها حجة دامغة عليهم، قال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ} [النحل: 103] .

فإذا كان قوم من الذين كانوا أحرص الناس على خصومته، وأدراهم بأسفاره، وأحصاهم لأحواله، عجزوا أن يقدموا أي صلة علمية بينه وبين أهل العلم في عصره، فما بال المستشرقين وأذنابهم من الملحدين يبحثون عن تلك

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت