الصفحة 66 من 79

التطمين والتهدئة، بل صرح القرآن بأنه لم يرج هذا ولم يؤمله، قال تعالى: {وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ} [القصص: 86] .

وأما ما قالوه عنه من نوبات أو انفعالات أو غيرها: فيردُّه النظر في سيرته، فقد عاش طوال حياته في صحة نفسية، وعصبية، وعقلية جيدة، لم يطرأ عليه أي خلل في عقله أو أعصابه، بل كان كمال عقله مضرب الأمثال.

يقول عبد الكريم الخطيب: (( أمجنون مصروع يبني دولة، وينشئ نظامًا، ويقيم دينًا، ويعيش في أجيال الناس، منذ قام إلى اليوم دون أن يصاب بنكسة أو خلل ) ) [1] .

ذلك أن صاحب الصرع الذي زعموه تصيبه نوبات فلا تذر عنده أي ذكر لما مر به أثناءها، بل ينسى هذه الفترة من حياته بعد إفاقته من نوبته نسيانًا تامًا، ولا يذكر شيئا مما صنع أو حلّ به خلالها، مما يؤكد أن الوحي رباني المنشأ، ملائكي النقل، بشري التبليغ. فالوحي أمر غيبي آت من جهة غير إنسانية، خارجٌ عن مجال إرادة الرسول صلى الله عليه وسلم وعلمه واجتهاده، بل كان مبلغًا إياه بكل أمانة وصدق عن رب العالمين.

رابعًا: تفسيرات الوحي بالتفسيرات المادية

لم يفلح أصحاب الفكر المادي في استيعاب النبوة وفهمها حق الفهم؛ لأن الفهم يتطلب تجردًا من الميول المختلفة والقناعات السابقة، مع تطبيق منهج يستعد الباحث لقبول نتائجه أيًا كانت، والماديون تصوروا أن الأنبياء (انبعثوا) ولم (يبعثوا) بتأثير وضغط الحاجة الفكرية والنفسية والاقتصادية التي عاناها أفراد

(1) هدى مرعي، الأدلة على صدق النبوة ص 508.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت