الصفحة 67 من 79

مجتمعاتهم، وقد كان أولئك الأنبياء مرهفي الإحساس، شديدي الذكاء، قادرين على استغلال تلك الحاجة في النفوس بتحريك أصحابها وقيادتهم.

ويرون أن دعوة الأنبياء جاءت نتيجة عاطفتهم الإنسانية أو ميلهم نحو الإصلاح.

يقول توماس كارليل أثناء مدحه للنبي محمد صلى الله عليه وسلم: (( القرآن لو تبصرون ما هو إلا جمرات ذاكيات قذفت بها نفس رجل كبير السن بعد أن أوقدتها الأفكار الطوال في الخلوات الصامتات، وكانت الخواطر تتراكم عليه بأسرع من لمح البصر وتتزاحم في صدره ) )إلى أن يقول: (( وقد أتخيل روح محمد الحادة النارية، وهي تتململ طول الليل الساهر يطفو بها الوجد ويرسب، وتدور بها دوامات الفكر، حتى إذا أسفرت لها بارقة رأي حسبته نورًا هبط عليها من السماء وكل عزم مقدس يهم به يخاله جبريل ووحيه ) ) [1] .

كما يفسرون النبوة بالاستجابات الخلاقة في النفوس الإنسانية.

ولا شك أن هناك فروقًا واضحة بين الأنبياء والمصلحين: فالنبي: إنسان حر من بني آدم أوحى الله إليه بشرع وأمره بتبليغه، فهم جاؤوا بأفكار جديدة تخالف ما كان عليه ثقافة أقوامهم، وأتوا بقيم أخلاقية واجتماعية غير متأثرة بما كانت عليه أممهم، مما يدل على ربانية ما جاؤوا به من علم أو كتاب.

ولقد ظهر لكل منصف أن ما دعا إليه الرسول صلى الله عليه وسلم من الشعائر العبادية والقيم الأخلاقية، وقواعد السلوك لم يكن نابعًا من بيئته، بل كان غريبًا عن ثقافتهم مباينًا لأعرافهم، كما قرره جعفر بن أبي طالب، أمام ملك الحبشة، مظهرًا المفارقة بين مظاهر الواقع، ومعطيات الوحي، قال: (( كنا

(1) كارليل، الأبطال ص 85 - 86.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت