فهرس الكتاب

الصفحة 108 من 234

وكأنَّ الراوي هنا يريدنا أن نكفّ عن السؤال والتساؤل، وكأنَّه يقول لنا: انظروا كيف اختفى مصطفى سعيد، وكيف بقيتُ أنا على قيد الحياة، مجدِّفًا في مياه نفس النهر!... وعندما نتأمّل الوضع نراه غير ذلك تمامًا. فالسّر ما زال يحيط بالاثنين، بالراوي والشخصية: مصطفى سعيد. وأول ما يخطر على بالنا هو سرّ الراوي نفسه: ما الذي حدث له خلال السنوات السبع التي قضاها في بلاد الصقيع؟... لا نعلم عن ذلك شيئًا، فبدلًا من أن يخبرنا الراوي بتاريخ حياته خلال تلك المدة، يقصّ علينا حياة شخص آخر، وكأنَّ حياة مصطفى سعيد أصبحت مبرّرًا كافيًا لإخفاء حياة الراوي. ويظلّ السؤال يطرح نفسه: هل حياة مصطفى سعيد موازية لحياة الراوي الذي عاش مدّة سبع سنوات في المكان نفسه؟... أليس التعاطف بينهما هو سرّ هذا الاعتقاد الذي يغرينا بإقامة موازاة بين الطرفين؟... لماذا لم يجد مصطفى سعيد غير الراوي شخصًا مناسبًا في القرية يبوح له بقصته كاملة؟ هل ابتدع الراوي قصة بطلها مصطفى سعيد ليقصّها على نفسه من أجل أن يستوعب ما حصل له فعلًا، وهنا تضيق المسافة بين الشخص والشخصية من أجل تنفيذ المتطلبات الفنية للعمل الروائي؟... لماذا انتظر مصطفى سعيد كل هذه المدّة، حتى يرجع الراوي من الغربة ليقصّ عليه قصّته؟ وبعبارة أخرى ألم يجد مصطفى سعيد في القرية من يستطيع أن يأتمنه، طوال هذه المدة التي عاشها في القرية، ليكون متنفسًا لما يعتمل في داخل نفسه، وهو يشارك أهل القرية أعمالهم وأفراحهم وأتراحهم؟ هل يمكن أن نفسّر اللقاء التلقائي بين مصطفى سعيد وبين الراوي بالقول الشائع:"وكل غريب للقاء نسيب؟.. ما سرّ كل هذه المشاركة الوجدانية بين الاثنين؟..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت