فهرس الكتاب
ومنذ البداية تُدْخِلنا الرواية في دائرة السرّ السحري، أو السحر السرّي، إذ يلج الراوي إلى هذه الدائرة من خلال قصة العودة ذات السرّ الأزلي، والتي تشكّل رصيدًا هائلًا في فن القصص لما توحيه من سرّ يهيمن على الحياة الدنيا والآخرة، ونظلّ نلهث وراء تحسّبه وتحسّسه. والقصص والروايات والأساطير التي نبعت من فكرة العودة كثيرة، ولا تحدّ بزمان ولا بمكان، يخطر منها على البال قصة"الملاح القديم"، للشاعر كوليردج، وهي قصة يمكن أن نقرأها على مستويات متفاوتة، لكثرة ما في أسرارها من إيحاءات متنوّعة. يصل الملاح القديم إلى عالمنا من مكان وزمان موغلين في القِدَم ليقصّ علينا قصّته. يستوقف رجلًا كان مدعوًا لحضور حفلة زفاف ويبدأ الملاح القديم يقصّ قصّته، وما كان على الرجل إلاَّ أن يستمع حتى النهاية، وقد قرّر في آخر الأمر أن يعدل عن السير قُدُمًا نحو الاحتفال، وكأنَّه أصبح، بعد أن استمع إلى القصة، شخصًا آخر، حكيمًا وحزينًا في آن واحد، وهكذا تُحدث قصة الملاح القديم تحوَّلًا في حياة الرجل، عندما تقرّب إليه البعيد مكانيًا وزمانيًا، وتجعله يألف ماكان مستهجنًا، بل يستهجن ماكان مألوفًا (الدعوة لحضور حفلة الزفاف) .
ونجد الراوي في موسم الهجرة يحاول أن يقرّب إلينا، إثر عودته، أجواء المهجر الذي قضى فيه سبع سنوات، وكان يسعى إلى تضييق الشقّة بين المحيط المتجمد الشمالي وخط الاستواء، بين مناخين متباينين وعالمين متباعدين. وإنَّه لمن المؤسف، بهذه المناسبة، أن يفوّت المترجم دينس جونسون ديفس على نفسه الانتباه إلى إيحاءات العودة التي يبدأ الراوي بها من أول كلمة؛ ولو أنَّه على سبيل المثال التزم الترجمة الحرفية، فإنَّه ربّما يبدأ الترجمة باستعمال المضارع التام (I have just returned) وفي هذه الحالة، فإنَّه سيكون قد أوفى الترجمة حقّها، ولربما جعل القارئ الواعي يتذكّر بداية"مرتفعات وذرنج"، التي تبدأ بالكلمات نفسها.