فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 234

وبالرغم من أنَّه يشغل خيالنا، فإنَّه لا يشغل حياتنا وواقعنا الذي نعيشه. أمَّا الواقعية التقليدية، فالحدث فيها من حياتنا وفيها، والعملية القصصية لا تزيد على تكرار لواقع نألفه ونعرفه ونتوقعه، وهي صياغة الواقع بشكل قصصي، أمَّا المرحلة الثالثة، فهي مختلفة تمامًا، وتكاد تكون مزيدًا من المرحلتين الماضيتين وتجاوزًا لهما، إذ هي تركيب جديد لواقع نعيشه أو نتخيّله، فالراوي في المرحلة الأولى شخص بعيد عنّا كل البُعد، وماهو إلاَّ شبح يروي أشياء بعيدة عنّا مثل بُعده هو نفسه عنّا. أمّا في المرحلة الثانية، فالراوي شخص يمكننا أن نتصوّره ماثلًا أمامنا، له صوت مستقل عنهّا وليس عن واقعنا، وهو، على النقيض من الراوي في المرحلة الأولى، شخص قريب جدًا منّا. ولكن الراوي في المرحلة الثالثة يختلف تمامًا عنه في المرحلتين السابقتين، وربّما يكون مزيجًا مركّبًا من الاثنين معًا، فإذا كانت مادة الرواية بعيدة عنّا مكانًا أو زمانًا أو كليهما معًا، فإنَّ الراوي يحاول أن يجعلها قريبة منّا، ولكن دون أن يلغي بُعدها أو يمحوه من الوجود، وإذا كانت قريبة منّا، فإنَّه يحاول أن يميط اللثام عن المألوف، ليجعلنا نرى أبعد مما تراه العين المجرّدة، وبذا يتكشّف لنا المألوف في أبعاد جديدة تفوق المألوف، ولكن دون إلغاء المألوف أيضًا، وبهذه الممارسة التي تحاول الحفاظ على المصدر حتى بعد (أو أثناء) ، التحوّل عنه، يضمن الراوي ديمومة تتمثّل أكثر ما تتمثّل في التقريب بين عالمين أو بُعدين مختلفين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت