فهرس الكتاب
باختصار، لقد تحوّل الراوي في المرحلة الثالثة إلى صوت شخصي لنا، عندما نسمعه أو نقرأه، لأنَّه يدخلنا في التجربة التي يخوضها هو، ويجعلنا منذ البداية نعيد معه تركيب التجربة، وهكذا يتحوّل الحدث والشخصية وأسرارها إلى تجربة تسري في السامع أو القارئ مسرى الروح في الجسد، وكأنَّ حقّنا في السؤال عن السرّ الذي يكمن في الحدث أو الشخصية يصبح أمرًا لا مبرّر له بعد أن نصبح شركاء في العملية الروائية. وإنْ كان لابُدَّ من سؤال عن سر العمل القصصي (الذي لا يلغيه الغياب المبرّر في السؤال) ، فلا بُدَّ من أن نوجّهه إلى أنفسنا، و كأنّ الكرة تصبح في ملعبنا، حيث يلغي دورنا باعتبارنا متفرّجين، أو مراقبين.
ولعلّ أبرز ما يميّز موسم الهجرة، هو أنّ الراوي ينجح في إشراكنا في العملية القصصية منذ البداية، ويصبح سرّه سرّنا نسمعه ونقرأه، وكأنّنا نرويه، ويصبح مصطفى سعيد قريبًا منّا وبعيدًا عنّا مثل قُربه وبُعده عن الراوي، ويتحوّل السرّ في الرواية بأكملها إلى عملية مشاركة، وهي أكثر من تعاطف، وهذا بطبيعة الحال غاية ما يطمح إليه الراوي من إنجاز فني.