فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 234

ولو قارّنا بين الراوي في عصفور من الشرق، والراوي في موسم الهجرة، لتبيّن لنا أنَّ الراوي والشخصية في عصفور من الشرق، كيانان منفصلان عنّا، وأنَّ الراوي يقف بيننا وبين الشخصية وسيطًا يقرّب لنا ما بَعُد، فهو الذي يكشف لنا ما يخفيه أو يحاول أن يخفيه محسن، وهكذا تصبح الراوية حدثًا رومانسيًا يخفى حتى على محسن نفسه، فيقوم الراوي بتعريته وكأنَّه قناع ارتداه محسن وكشفه الراوي، وفي هذه الحالة تصبح وظيفة الراوي نقل المعرفة بسرّ الحدث إلينا، وما أن يتمّ ذلك حتى ينتهي حضور الراوي عندنا، بل ينتهي حضور الرواية برمّتها. وربّما كان هذا ما يجعلنا نسمّي الرومانس عملًا مستهلكًا بعد الفراغ من سماعه أو قراءته. ومن الواضح أنَّ الراوي في عصفور من الشرق، أو في قنديل أم هاشم ، أو حتّى في الحي اللاتيني، ينجح نجاحًا باهرًا في تصوير الشخصية ماثلة في أماكن مختلفة، وفي ظروف متعدّدة، ولكن صورة الراوي للشخصية هذه، تظلّ صورة ماثلة في تلك الأمكنة والظروف والأزمنة، منفصلة عن تصويرنا أو تصوّرنا لها، وتظل صورة في العالم الخارجي وليس صوتًا متردّدًا (أو نردّد) صداه في نفوسنا كما هو الحال في موسم الهجرة، إذ لا فرق بين أن نكون مستمعين (أو قارئين) للرواية وبين أن نكون راوين لها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت