فهرس الكتاب
هل تأثر الطيب بكونراد في جعل مصطفى سعيد شخصية موهوبة؟.. نحن نعلم أنَّ كونراد اختار شخصيات على درجة عالية من الموهبة والعبقرية للقيام بمهمات الاستعمار. من هذه الشخصيات كورتز في قلب الظلام، العبقري الموهوب الذي قبل على نفسه أن يعمل مع شركة بلجيكية استعمارية تستغلّ العاج في الكونغو، ولكنه لم يواصل المسيرة مع هذه الشركة، فقد استقلّ عنها واستمرّ يمارس الاستغلال بنفسه ولنفسه في الكونغو. هذا نمط من أنماط شخصيات كونراد الموهوبة التي تقبل على نفسها أن تكون أداة تنفيذية للاستعمار. أمّا النمط الآخر فهو الذي يقبل على نفسه أن يظل أداة تنفيذ لخطط الاستعمار، دون أن يخطر على باله الانفصال عنه في أي مرحلة من مراحل نشاطه. وأكبر مَثَل على ذلك جولد في نوسترومو العبقري الذي سخّر موهبته لاستغلال منجم الفضّة في سولاكو (التي ربّما تكون في أمريكا اللاتينية) ، وذلك بدعم من الأمريكي هولرويد الذي كان يعتقد أنَّ رأس المال الأمريكي لا بُدَّ أن يسيطر على العالم حاضرًا أو مستقبلًا، سواء قَبِلَ العالم أو لم يَقْبَل، وأنَّ هذه السيطرة أشبه بقدر، وهي خارجة حتى عن إرادة المسيطر.
هل تأثّر الطيب بهذا النمط من الموهبة الشخصية، واستخدامه معكوسًا ليناسب رحلة مصطفى سعيد، التي تسير من الجنوب إلى الشمال، أي في الاتجاه المعاكس لرحلة الاستعمار التي تسير من الشمال إلى الجنوب؟
هل كان كونراد يعتقد أنَّ الاستعمار بحاجة إلى موهبة فردية تبرّر شرهه وخبثه؟ ألم يستخدم الاستعمار في تاريخه الطويل رجالات على درجة عالية من الذكاء والموهبة؟ ألم يجنّد الاستعمار البريطاني رجالاته من خيرة المدارس المتفوّقة التي كانت تُدعى بـ"المدارس العامة" (public schools) .