فهرس الكتاب
غير أنّ جبرا ليس بهذه السهولة، أي إن محاولته تتعدّى مجرّد استخدام صورة الكهل بدلًا من الشاب، وأودّ هنا أن أنوّه إلى أنّ إطّلاع جبرا الواسع على الأدب الغربي ليس على حساب أصالته، فهو الفنّان القدير على استثمار المؤثرات الأجنبية وتطويعها، لتصبح مناسبة لموهبته الفردية وأصالته الفنيّة. أي أنّ جبرا لم يتوقّف عند تقديم صورة الكهل، بدلًا من الشاب، بل أنّه رأى صورة الفنّان تتّسع للشباب والكهولة معًا، وأنّها خارج الزمن المألوف ومواسمه المعينة، فالرواية أيضًا، لو أردنا لها عنوانًا آخر، لقلنا إنها"صورة الفنانة في شبابها"، وصورة اليوميات في الرواية، هي صورة مشتركة بين الشباب والكهولة، والمذكرات هي مذكرات الطرفين المتكافلين المتضامنين في المحنة، وصورة سراب عفان شابة كصورة ستيفن في شبابه، تكشف عن خيال جامح يؤهّل صاحبه لأن يكون كاتبًا، فكما أنّ ستيفن استجاب استجابة غريزية إلى القصة التي رواها عليه والده منذ أول كلمة في الرواية، فكذلك سراب عفان تداوم على قراءة الروايات، وكانت استجابتها متميّزة للغاية لرواية نائل عمران الجديدة الدخول في المرايا، والتقطتها من بائع الكتب بلهفة شديدة، وذهبت بسرعة إلى البيت، لا تريد أن تؤجل قراءتها، وبدأت على الفور تلتهم الصفحات الأولى مع طعام غدائها، كذلك فإننا نقابلها وهي منكبّة على كتابة مذكّراتها التي هي في واقع الأمر جزءٌ لا يتجزأ من الرواية الكلية. وهي مثل ستيفن أيضًا، تمتلك عواطف متأججة ثائرة على الحصار الذي يحيط بها. وهي في كل لحظة تنتظر لحظة الانعتاق والانطلاق إلى فضاء رحب يتّسع إلى أحلامها وآمالها العريضة. ومنذ الأسطر الأولى للرواية، نقابل فتاة تمتلك القدرة الفائقة على التعبير عن المحنة التي تعيش فيها. وفي مشهد جميل نتعرّف على مصدر هذه الأزمة التي تشكّل التعبير، ولو أعاد جبرا النظر في هذا المشهد لربّما استطاع أن يخلّده في صورة زيتيّة.