فهرس الكتاب

الصفحة 129 من 234

هكذا يتبدّى المشهد لسراب:

"وتراءى لي مشهد فسيح من مشاهد يومياتي الجبلية: منحدرات خضراء كالشرفات تتوالى نزولًا حتى تغيب في أعماق ضبابية، والأشجار تبدو في السكون الغارق في الشمس كأنّها وجدت هناك بخطأ من الطبيعة الوحشة طاغية، حتى العصافير هجرت الحقول المهملة، والصخور كحيوانات خرافيّة جمدت مكانها كما يموت باغتها في عزّ الظهيرة. ورندة هناك. وجدها هي هناك، لا تعرف لماذا هي هناك. كيف وصلت إلى المكان، ومن أين جاءت إليه؟" (ص9) .

هذا وصف صادق لا يقدر عليه إلاّ خيال ينطلق من شعور صادق، يؤمن صاحبه بما يرى أمامه ويقدر على تحويله إلى أكثر من رؤية العين المجرّدة، وحدود هذا المشهد تتعدّى تلك المنحدرات التي تحيط ببيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، منشأ الراوي.

وبقدرة فنيّة فائقة يستطيع الراوي أن يختزل الزمن تدريجيًا إلى أن يصل إلى حدّ إلغائه، وينقذ المشهد الذي نعرفه من براثن الزمان والمكان، فيجعل القارئ يحسّ فعلًا كأنّه وصل إلى ذلك المكان، أو سرى إليه في وضح النهار مع سراب عفان. وفي تقديري أنّ جبرا فنّان يمتلك قدرة واعية تستطيع دائمًا أن تخلق في القارئ حلم يقظة، هو حلقة وصل قوية تصله بالفردوس الغائب، مبدّدًا أي غربة أو جفوة يمكن أن تنشأ بسبب الظرف الطارئ الذي يحول بين العاشق وفردوس عشقه.

والخيال الجامح هو أهم مقوّمات صورة الفنّان في شبابه. ونرى سراب عفان تصلي نوعًا من صلاة الاستسقاء لبعث الخيال قويًا متجدّدًا في حياتها وكأنّها شيطان شعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت