فهرس الكتاب

الصفحة 133 من 234

أمّا خلفيّة الصورة المعكوسة كمبرّر لنوعيتها فهي أمر اهتمّ به جبرا كثيرًا، حين جعلنا نحسّ بأنّ شعورًا قويًا مكبوتًا في النفس كالحسرة التي لا شفاء منها، ولا دواء لها، هو المنطق الصامت الذي تنطلق منه سراب عفان ونائل عمران وغيرهما من الشخصيات الرئيسية في روايات جبرا الأخرى، وهو منطلق يهيمن على الشخصية دون إفصاح كثير عنه، هذا الإحساس هو الإيقاع الداخلي في يوميات سراب عفان، وهو أيضًا في حياة جبرا: منذ أن وجد نفسه مقتلعًا من جذوره التي كانت ضاربة في التراب والصخر. من يعرف جبرا عن قُرب يشعر أنّ غصّة الاقتلاع لم ولا تفارقه أينما حلّ، ومن استمع إلى جبرا وهو يتحدّث عن هذه الغصّة بانسياب تلقائي يخلو من الخطابة، يتذكّر النفس الروائي في ميثولوجيا اليونان والإغريق الذي يصوّر مأساة الغربة والاغتراب عندما لا يجد المغترب ما يعوّض تراب المهد وصخوره. (ولربّما هذا هو الذي جعل جبرا شغوفًا بالتراث الإغريقي بشكل خاص) .

يقول د. هـ. لورانس إنّ أعمق مغزى للحياة يمكن التعبير عنه من خلال العلاقة بين الرجل والمرأة. هل يودّ جبرا أن يضيف: وخصوصًا إذا ولدت هذه العلاقة في رحم تراب الوطن الغائب.

ليست عاطفة سراب عفان وليدة حرمان شخصي، ولا هي وليدة فراغ عاطفي، بل هي وليدة إحساس بمحنة تاريخية يشير إليها الراوي بالحصار، وهو نفسه الحصار الذي يعاني منه نائل عمران. واللقاء بين سراب عفان ونائل عمران أكثر من مجرّد اللقاء بين امرأة ورجل، فهذا أول متنفّس خارج الحصار، وأول فرصة على طريق العودة إلى أصل المحنة.

ولو حاولنا أن نجد بعضًا من صورة سراب عفان في ستندال، لوجدناه في عاطفتها القوية وتحوّلاتها، التي هي مزيج من جوليان ومتيلدا. هذه صورة يقدّمها لنا ستندال عن جوليان ويمكن اعتبارها مدخلًا لشخصية سراب عفان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت