فهرس الكتاب
لعلّ الذي نبحث عنه في يوميات سراب عفان (وهذا ليس نقصًا في جبرا ولا في روايته بل في الواقع الذي ترتكز عليه الرواية) هو البُعد العملي الذي كان يمكن لسراب عفان من خلاله أن تضع مشاعرها تحت التجربة، لترى ما إذا كان بإمكانها أن تخرجها من طور الأحاسيس إلى طور الفعل. وربّما هذا هو الذي جعل الروائي يتصوّر سراب عفان تعيش في حصار وأنّها لم تجد أمامها إلاّ الرحيل إلى باريس، وهو بُعد غير كافٍ لتجريب هذه الطاقة الهائلة من المشاعر والأحاسيس. هل أحسّ مثلًا جبرا أنّ الرقعة أو البعد المكاني الذي كان يمكن أن تتحرّك فيه سراب عفان قد أصبح محصورًا أو محاصرًا بعد عام 1967 وبعد دمار بيروت وبعد كل ما حصل من تفكّك في الجبهة العربية؟ هل أحسّ جبرا مثلًا أنّ الواقع القريب أسوأ من الواقع البعيد الذي كان يمكّن شخصيات وليد مسعود من الحركة من بيروت إلى رام الله إلى بغداد؟ هل هذا هو الذي جعل الرواية تصل إلينا في حجم أصغر من حجم أختها البحث عن وليد مسعود"؟"
عندما نتذكّر بالمقارنة متيلدا وجوليان نجد كيف أنّ ستندال كان بإمكانه أن يقدّم شخصياته في البُعد الذي يضع مشاعر تلك الشخصيات وأحاسيسها تحت التجربة، وذلك من خلال مواجهة الخصم في المحنة، فهذا جوليان يجد نفسه وجهًا لوجه مع خصومه في المحكمة، ويواجه المحكّمين الطبقيين، وهنا يكون الاختبار الأكبر لشخصيته، وعلى الرغم من أنّه لا ينتصر عليهم كما ينتصر الجيش في المعركة، فإنّه يسمو عليهم بشجاعته المنقطعة النظير، وبروحه التي لا تقهر وبتقديره لهويته التي بدأ الكفاح من أجلها حتى الموت. كذلك تسمو متيلدا في دعمها لجوليان وهو في أمسّ الحاجة للدعم، وفي تخطّيها بشجاعة كل الحدود الطبقية التي تربّت عليها لإنقاذ حياة جوليان.