فهرس الكتاب

الصفحة 142 من 234

من المتطلّبات الرئيسية للشخصية في الرواية أن توضع مشاعرها وأحاسيسها على المحكّ لنتبيّن قيمة عنوانها الفعلي من خلال قدرتها أو عدم قدرتها على تحويل القوة الكامنة إلى فعل، كي نتبيّن قوتها من ضعفها، وقوتها من زيفها، ولكي لا يظلّ العنف الثوري تجريدًا في الذهن، أشبه بتأمّل عابر.

ولكن جبرا روائي يمتلك زمان التقنية الفنية، ويمكنه أن يعرض عن الواقع الكئيب الذي يؤثّر عادة في الصورة الفنيّة، هنالك لقطات مكثّفة في الرواية ربّما سدّت النقص الذي أشرت إليه بالبُعد الفعلي، وأهمية هذه اللقطات تأتي لما فيها من حرارة وصدق تجعلنا نقول إنّ الظرف الكئيب البائس وحده، هو الذي يحول دون تحوّلها إلى فعل. هذه لقطة مثلًا من صورة الفنانة سراب في بداية شبابها:

تصمّم سراب وهي في العاشرة من عمرها على الخروج من الحصار والانتماء إلى البطولات التي تتحدّى قوى الظلم والظلام الوافدة من الخارج وتأكيدًا في الوقت نفسه على إنسانيتي في هذا الانتماء:

"صخرة أخرى من صخور القدس، زيتونة أخرى من جبل الزيتون، كما كانت تقول جدّتي خديجة". (ص206)

وفي موقع آخر نعلم أنّ جدّتها خديجة هذه، فلسطينية من القدس، من عائلة الجابري وقد تعهدت تربيتها حتى سن المراهقة.

أمّا جدّتها لأمّها أم ياسين، فهي مسيحية من الشمال كان اسمها مرثا ميخائيل تزوّجها جدّها لأمّها الشيخ أحمد دلير في أواخر العشرينات، وتميّزت هذه الجدّة بحسن وجهها وجمال قوامها، وتعتقد سراب أنها ورثت عنها كثيرًا من جمال قوامها وشعرها المذهل بسواده وطول ضفائره.

وبعبارة موجزة، يمتلك جبرا قدرة فنيّة تستطيع أن ترى الشخصية وهي تنمو نموًا طبيعيًا وحقيقيًا، من تراب أرضها، ويراها وهي تمتدّ بجذورها من الناصرة إلى القدس، ويراها متعلّقة من جذورها تسير في شارع جنين في بغداد وفي شوارع صنعاء وعُمان ومراكش وباريس وهي تولي قلبها شطر المهد الذي تباركه الناصرة والقدس أينما حطّت بها سفن الرحيل.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت