فهرس الكتاب
يقول جوته إنّ الحياة سراب (illusion) وأغلب الظنّ أنّه يقصد من بين ما يقصد المفارقة التي تنشأ بين الحياة واقعًا محسوسًا والحياة كخيال. أيهما أصدق، أو أيهما نصدّق؟ لقد أفلح جبرا في تحويل الصورة الذهنية إلى صورة حيّة من خلال مسرحة هذه الصورة وجعلنا نقبل سراب عفان على أنها رندة الجوزي، وعلى أنها ليست رندة الجوزي في آن واحد. لقد نجح جبرا في جعلنا نستقبل الواحدة على أنها الأخرى وأنها ليست الأخرى أيضًا. وقرّب إلينا فكرة المرايا بشكل محسوس. وتهيء لنا اللعبة الفنية المتقنة التي من خلالها نقبل على سراب عفان بارتياح السؤال الأكبر وهو كيف يمكن أن نصدّق أو نحتمل الواقع المحسوس؟ وهل يستطيع الخيال أن يستوعبه أو يشكّله من جديد ليجعله مفهومًا لنا؟
إنّ تصوير الفنّان في كهولته لا بُدَّ أن يكون أصعب من تصويره في شبابه؛ لأنّ الراوي يكون في العادة كهلًا، ومن الصعوبة بمكان أن يفصل الراوي الكهل نفسه عن مرحلة الكهولة التي هو بدوره راويها، ولذلك نجد الرؤية تتأثّر لعدم وجود مسافة زمنية كافية تساعد الراوي على السيطرة على رواية هذه المرحلة الزمنية التي هو جزء منها فعلًا. أمّا عندما يكون الراوي الكهل يروي عن شبابه فإنّ الأمر أيسر، لوجود مسافة زمنية بين الراوي وموضوع روايته.