فهرس الكتاب

الصفحة 144 من 234

ولكن جبرا يرى شخصياته تنبت أو تنبع من المكان، ووعيها الكامل بتراب جذورها المقتلعة أينما حلّت، يلغي الزمان من حياتها ويجعلها تحيا في المكان. فرغم أنّ رواية جبرا هذه وغيرها من رواياته تقترب كثيرًا ممّا يعرف برواية التجربة الذاتية (Bildungsroman) ، إلاّ أنها تلتزم بمواسم الزمن الحقيقي: من طفولة ومراهقة وشباب وكهولة، التي تكّون العمود الفقري لهذا النوع من رواية التجربة الذاتية. وكأنّ المحنة القوميّة عند جبرا وشخصياته تلغي الزمن كموسم وخصوصًا موسم الشباب. هذه سراب عفان تنذر نفسها لمقاومة الظلم وهي في العاشرة. ولا بُدَّ أنّ جبرا لاحظ ارتباطًا منطقيًا بين بُعدي الزمان والمكان، فإذا اختلّ أحدهما كان سببًا لاختلال الآخر. فأقلّ ما يعنيه غياب الوطن هو إلغاء الزمن، أو غياب الشمس عن الوطن. ألا يفسّر هذا التصوّر منطق الارتباط الحميم بين الشّابة سراب عفان ونائل عمران الذي تصوّر عمره يمتدّ عبر السنين!

يتساءل ريموند وليمز الناقد البريطاني المعروف في نهاية مناقشته للواقعية عمّا إذا كان لِزامًا على الكاتب الروائي أن ينتظر تغييرًا في واقع المجتمع الكئيب كي يتمكّن من خلق واقعية جديدة. أي هل يستطيع الكاتب أن يخلق واقعية إيجابية من واقع سلبي للغاية؟ يعتقد وليمز أنّه في حالة وجود واقع كئيب لا بُدَّ من اختزال الزمن واختراق الكآبة والقفز فوقها بواقعية جديدة تجعل الواقع يندثر في الواقعية بدلًا من العكس. وإلاّ لماذا الخيال الجامح، فهو ليس مجرّد مرآة تعكس ما هو أمامها!

( المصادر

جبرا، إبراهيم جبرا، يوميات سراب عفان، دار الآداب، بيروت، 1992.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت