فهرس الكتاب
يعبر ميشيل عفلق في المقدمة عن حرصه الشديد على تقديم فن جديد في الأدب العربي مناهضًا للتقاليد المعروفة التي يرى فيها عيبًا ظاهرًا يميز- على حد قوله- الأدب العربي المعاصر بجملته. وتعلن المقدمة عن كاتب القصة أنه أديب جديد يتمتع بخيال يحلق فيما يكتب، كذلك تبين المقدمة قدرة الكاتب على التكثيف وعلى تصوير حالة نفسية عميقة يهدف منها إلى الدخول في نفسية السندباد بدلًا من تتبع حوادثه، وبهذا يكون على وعي بالتجديد وتقديم السندباد إلى عالم الحداثة.
وعلى الرغم من أن المقدمة تبدو وكأنها معتذرة عن قِصَر القصة، فإن هذه الملاحظة ليست جادة في حد ذاتها؛ لأن هذا القِصَر أو التكثيف غير ضار بالقصة القصيرة، وما هذا الاعتذار إلا محاولة من الكاتب لإقناع القارئ بتقبل قصة في هذا الحجم من الكثافة. وما أمر الاعتذار برمته إلا ضرب من التعويد (orientation) على تقبل القصة في هذا الشكل المكثف الجديد الذي يساعد الكاتب على دقة التعبير وتعميق التأثير. يقابل السندباد في هذه القصة عشيقته برؤية تتجلى تدريجيًا من خلال شفافية اللغة التشبيهية المكثفة، وفي النهاية نرى أن المغزى الأخلاقي للقصة يندرج في صورته تحت الصورة الفنية (الاستطيقية) التي تبعد القصة عن الخطابة. وهنا نرى كيف ينجح عفلق في المزج بين ما هو شاعري (غنائي) وما هو مسرحي (تمثيلي) ليصل بنا إلى صورة يكون فيها التأثير الكلي أشبه بالفسيفساء المرصعة.
ومنذ الجملة الأولى، نلاحظ كيف تبدأ القصة بصورة الليل كموتيف يكوّن الوحدة العضوية للقصة، فالليل وبغداد- المدينة الخالدة- والعشيقة كذلك، والسندباد والمسافر، جميعها تتحد وتتداخل في نشاطها وتأثيرها من خلال مدينة تسبح في ظلام الليل مثل مسافر أرهقه السفر حتى ضعفت عزيمته على مواصلة الرحلة. هذا هو المنظور الذي يحتوي القصة من أولها إلى آخرها.