فهرس الكتاب

الصفحة 155 من 234

والجزء الذي يصلنا في الرواية دون أن يُروى قولًا هم أهمّ بكثير مما يظهر لنا من رواية سعيد أبي النحس ومعلّمه. هذا الجزء هو خطاب الرواية الذي يقول لنا كما يقول لأبي سعيد النحس في السرّ دون أن يسعفه القول على التعير إنّ المقارنة بين غزاة الأمس وخصوم الحاضر لهو تبرير للوضع القائم مبني على رضى ساذج (complacency) ما هو إلاّ وهم باطل. وهو نفس النمط الوهي الذي يحاول تصديقه الاثنان عندما يحاولان تأسيس تمييز بين أولئك الغزاة الذين استباحوا حرمة المساجد قبل مئات السنين وبين أمثالهم الذين لا تصل استباحتهم حرمة المساجد بل تنحصر فيما هو خارج بيوت العبادة. هذه المقارنة لا تعني بالنسبة للقارئ أكثر من مفارقة لا تعيها الشخصية طبعًا، وهذه المفارقة هي البُعد الآخر في الخطاب الذي يوحي لنا بقوة في أن لا فرق بين اجتياح واحتلال حتى لو كانت مئات السنين تفصل بينهما. وأطرف أنواع المفارقة التي يبدعها إميل حبيبي هي أنّ التغيير الذي يحصل في وعي سعيد أبي النحس يأتي بطريقة غير مباشرة من أفعال الطرف الآخر الذي يثق به سعيد أبو النحس ويعتقد صادقًا أنّ العيش معه ممكن المهادنة وحسن النيّة والتماس العذر حتى في وجوده واحتلاله والتشبّث بأي بارقة أمل وكأنّها الأمل كلّه كالعلاقة مع الأدون سفسارشك.

والتأثير الذي يصعدّه الخطاب في نهاية الأمر دون الحاجة إلى كلام مباح في الرواية هو التعرّف إلى الطرف الآخر الذي يعيش سعيد أبو النحس في كنفه، حيث يخلص بنا الخطاب إلى النتيجة التالية: إذا كان الطرف الآخر لا يوفِّر مكانًا للعيش في دولته لأمثال سعيد أبي النحس على كل ما يقدمّه مخلصًا وصادقًا للدولة من صدق وتسامح وولاء (اسم أبيه) فإنّه (الطرف الآخر) ليس على استعداد أن يتسامح وأن يتعايش مع أحد في دولته من غير جنسه حتى لو أثبت فعلًا مثل سعيد أبي النحس أنّه قدّم نفسه في سبيل العيش بسلام، وهذا طبعًا يفوق عرض الأرض مقابل السلام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت