فهرس الكتاب

الصفحة 156 من 234

أمّا الصعيد الآخر الذي يصل بنا الخطاب إليه، فهو ذات سعيد أبي النحس الجديدة عندما تجد نفسها وذاتها الجماعية مرفوضة جملة وتفصيلًا في الدولة الجديدة، فتصبح وكأنّها أسطورة من الأساطير الشائعة عند ليفي شتراوس تولد من الأرض وتظل محتفظة بصفتها الكونية في الاستمرار والبقاء رغم أنها تولد عاجزة عن المشي أو فاقدة لتوازنها أثناء المشي.

لا يتم هذا التحوّل عن طريق المبادرة التي يفتقدها سعيد أبو النحس ولا عن طريق الشجاعة التي لا يعرفها سعيد أبو النحس، بل يتم بطريقة أسطورية ينجلي فيها التناقض بين الأسطورة والواقع (أو على حدّ تعبير محمود درويش بين الخرافي والواقعي) بين الظاهر والجوهر، بين ما يقال، وما لا يقال إلى آخر ذلك من أوجه المفارقات المتعدّدة التي تتمحور حول الذات وهي تقف حائرة مدهوشة متوترة، وكأنّ إميل حبيبي يعكس التصوّر الشائع لأسطورة الخلق. فبدلًا من أن تولد حواء من آدم يولد سعيد أبو النحس من يعاد، ويبدأ من لَمِّ شتاته وجمع شمله عبر نهر الزرقاء إلى الطنطورة وعبر بوابة مندلبوم ونهر الأردن والإذاعة حتى يصبح برنامج المستمعين إلى ذويهم صندوق عجب من نوع آخر. إذ تتوهّم الذات أنها تجد ذاتها أو يلتمّ شملها من خلال هذا البرنامج، وتجد الذات لزامًا عليها أن تتشبّث بشيء ما من أجل البقاء حتى لو كان وهمًا إلى أن يقضي الله أمرًا كان مقضيًا. فالمتشائل غير راضٍ عن وضعه لكنه يجب أن يعيش ويجد لزامًا على نفسه أن يواصل البحث عن ذاته التي تشتت في هذا الوضع الشّاذ، حتى يصبح المتسائل مزيجًا من التفاؤل والتشاؤم في وضع شّاذ ويمكن تسميته"المتشائذ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت