فهرس الكتاب
وكان إميل حبيبي أيضًا عكس مفهوم البطل التراجيدي عند اليونان، وبقدرة فنيّة أصبغ ما يثيره ذلك البطل من مشاعر الشفقة والرعب على المتشائل. فالمأساة عند الإغريق تجعلنا نقف مدهوشين قائلين إذا كانت المأساة تحصل لرجل عظيم الشأن (ملكًا كان أم قائدًا) ، فإنها من الأولى أن تحصل لنا. وبنوع من الموازاة المعكوسة يمكن أن نقول إنّه إذا كانت الدولة الجديدة ترفض شخصًا مثل سعيد أبي النحس، فإنها يمكن أن ترفض أي شخص آخر من غير جنس الدولة، ليس مستهجنًا أن تجد نفسك تخدم دولة تعيش في كنفها، ولكن المستهجن أن تجد نفسك منبوذًا ومقهورًا ومقموعًا ومشرّدًا ومحرومًا ومضطهدًا من نفس الدولة دون ذنب سوى أنّك لا تنتمي أصلًا إلى الشعب المختار. يجد المتشائل نفسه يعيش في دولة ليست من صنعه، وفي تاريخ ليس له يدٌ في تشكيله. نقطة التحوّل عند المتشائل تجيء من وعيه بزيف الواقع الذي يعيشه. وسرّ التحوّل يجيء من الواقع الذي أملى عليه قسرًا أن يتحوّل. لو أعطي المتشائل أدنى فرصة من فرص العيش الكريم لما تحوّل. ولكن الواقع استنفد كل استعداد عنده لخدمة الدولة ومواصلة العيش فيها بسلام ولم يترك له مجالًا لأن يستثمر نفسه أو تستثمره الدولة في خدمتها. هو مرفوض أصلًا جملة وتفصيلًا، وبالإنجليزية مرفوض (categorically) ، ويلاحظ إميل حبيبي أنّ الواقع المرّ هو الذي يخلق الخرافي ملتصقًا بالواقع في حوار تسري فيه الحياة.
هل كان أبو سلام يجرّب فكرة السلاح في الشيوعية أو الماركسية عندما بدأ يكتب ليرى قدرتها على الخروج من المجرّد إلى حيّز الواقع، وهل انحاز عن السياسة إلى الكتابة عندما تيقّن أنّ منظور السلام في الكتابة لهو خير وأبقى من منظور السياسي؟ وهل فعل ذلك كلّه عندما أدرك بعد نضال سياسي مرير أنّ السلام لا يتحقّق بحسن نيّة من طرف واحد، وأنّه مثل الشجار كما يقول المثال الإنجليزي، لا يحدث إلاّ باشتراك فعلي من قِبَل اثنين!