فهرس الكتاب
وإذا كانت الذات لا تجد في السياسة إلاّ زفيرًا، فإنّها واجدة في الأكسجين شهيقًا. أمّا شهيق الذات عند إميل حبيبي فمكوناته كثيرة، منها الحكايات الشعبية التي تعيش في صدور الأجيال وكأنها نبات بريّ ينمو دون عناية أو عناء، وهي أكثر من حكايات تحكى للتسلية، هي بلسم كذلك الذي نجده دواء في الأعشاب البرية، فيه استمرارية الحياة الطبيعية وصيانتها والحفاظ عليها، وهي -الحكايات- كثيرًا ما تّتحد مع العشب والشجر وينابيع المياه، بل ومياه البحر ومخلوقاتها وكهوفها لتكون وحدة عضوية. ومكوّن آخر لهذا الشهيق هو التاريخ العربي الذي يستلّ إميل حبيبي منه مِزقًا تبدو لأوّل وهلة أشلاء مبعثرة، ولكن سرعان ما تطل علينا بعد تأمّل في بنيتها الفنية بشكل موزيكيا تتقطّر منه الحياة وكأنّه أصبح إكسير الذات التي تجذّرت منه منذ أقدم العصور، منذ الكنعانيين، مرورًا بالصليبيين وصلاح الدين، إلى أن يصل إلى حاضر الغزاة المستوطنين الذين يحاولون اجتثاث هذه الذات من أرضها والتي عاشت فيها آلاف السنين. ومكوّن ثالث لهذا الشهيق، هو الجغرافيا: تتداعى أسماء المدن والقرى والخرب والشوارع والأزقة والجوامع إلى الذاكرة الروائية لتشهد صورتها على بقائها ولتؤكد لنا أنها باقية بالرغم من طمس معالم بعضها، من هدمها وردمها، إلى تغيير أسمائها، تطلّ على الكاتب الراوي البطل حيّة تشهِدهُ على وجودها وكأنّها تهمس في أذنه قائلة كم كنّا في التاريخ مقبرة للغزاة!
وأبرز مكوّن لشهيق الذات المذكور هو الذات الإنسانية لبني الوطن، حيث تتّحد مع ذاتها فوق أرض الوطن، ونلاحظ أنّ هذا الاتحاد لا يتم إلاّ بظهور سعيد جديد غير سعيد أبي النحس، ويأتي ظهوره نتيجة طبيعية لواقع استنفدت مقوّماته المعيشية حياة سعيد أبي النحس. هذا مشهد"سعيد ينشد السعادة"في المتشائل، يقع في الرواية موقع القمّة من الجبل، وهو فعلًا قمّة روائية بالغة التأثير.