فهرس الكتاب
من يقرأ المشهد يتصوّر في الحال لوحة زيتية تمتدّ معالمها من الطنطورة إلى خان يونس، ومن البحر إلى النهر. ولا يمكن لمن يمرّ بهذين الاتجاهين إلاّ أن يتصوّر سعيد ويعاد يلتقيان داخل هذه الحدود.
حدث عادي يقع أمام أعيننا باستمرار، سيارة تكسي تقلّ ركابًا تنقلهم يوميًا بين أرجاء الوطن الممزّق، استطاع إميل حبيبي أن ينفذ ببصيرة فنية رائعة إلى كنه الحدث ويستخرج منه هذا المشهد الذي يجسّم ملاحظة محمود درويش في الذات التي تملأ ذاتها بخارجها في رحلة البحث الأزلي. استطاع إميل حبيبي أن يسمو فوق المألوف بخلق ذات جماعية تتخطّى حدود الزمن والتاريخ والجغرافيا والمألوف. هذا هو المشهد بشيء من التفصيل:
"وفيما أنا خارج من الساحة الداخلية إلى الساحة الخارجية مطلق السراح، وقفت على طرف الطريق من بيسان إلى العفّولة، استوقف سيارة تحملني. فإذا بسيارة خصوصية على رقمها حرف"ش"بالعبرية إشارة إلى أنها من مواليد"شخيم". وهي نابلس لا غير، تتوقّف فجأة أمامي."
ويدعوني سائقها إلى الصعود، فأصعد شاكرًا.
وكان أن جلست في المقعد الخلفي وحيدًا وأنا مستوحد. وكانت فتاة جالسة إلى جانبه ولم أرّ منها سوى شعر فاحم السواد كشعري بلا شيب. فقلت في نفسي: أنا في إيش وفكري في إيش.
وما اجتزنا طرفًا من الطريق حتى دهمني السائق بالسؤال: كنّا نعود قريبًا في سجن شطّة فأخبرنا الزملاء بأنّك التقيت سعيدًا.
ولكن المدير أنكر وجوده.
فهل تعرف له من مكان؟
فانقبضت نفسي من هذا السؤال. فتحسّست مقبض الباب كي أنزل من هذه السيارة الملغومة، إلاّ أنها كانت مسرعة. فأسرعت أجيب، وأنا مذهول:
-أنا سعيد!
فالتفتت الفتاة ذات الشعر الفاحم السواد نحوي لفتة زوبعية وهي تصيح:
-بل أخي سعيد.
-يعاد!
-حبيبي
-يعاد