فهرس الكتاب

الصفحة 161 من 234

أو هذا ما أحسب الآن أنّه قد جرى بيننا. أمّا في تلك اللحظة التي كانت أقصر من اللحظة، فإنّني لم أكن أسمع شيئًا، ولم أكن أرى شيئًا سوى عينين خضراوين يتألّق بؤبؤهما بنور سماوي افتقدته عشرين عامًا.

لقد رأيت يعاد، عشرين عامًا من يعاد دفعة واحدة، في عينيها وفي صوتها وفي شعرها وفي قامتها. فكيف تشعر سمكة أطاحت زوبعة، دفعة واحدة، ثلج تراكم على سطح نهرها عشرين عامًا! يا تراب القطب الجنوبي قل لهم كيف يكون شعورك لو انحسرت من فوقك ثلوج الدهر دفعة واحدة! يا لظى البراكين أروِ لهم حكايتي!

ويا صخر بلادي انفجر ينبوعًا!

أمّا أنا فانفجرت بكاء.

فأوقفا السيارة: فنزلت يعاد وانتقلت إلى المقعد الخلفي بالقرب مني. فأخذت يدي بين يديها فوسدتهما صدرها ثم وسدت رأسها كتفي فامتزجت دموعنا. وكان السائق يزغرد ببوق سيارته ويسير بها بطيئًا كأننا في موكب عرس.

-سعيد، سعيد.

-يعاد، يعاد.

-أخيرًا وجدته.

-ولن تفقديه أبدًا.

-كيف حاله؟

-على ما ترين، يا يعاد!

واستحوذتني رغبة جامحة في أن أصفّق، في أن أغنّي، في أن أزغرد، في أن أصرخ حتى تنهار من على صدري طبقات الخنوع والمذلّة والحاجة، والصمت نعم يا سيدي، عظيم يا سيدي، أمرك يا سيدي! فينطلق قلبي من صدري، حرًّا يطير، يحلّق في أجواء النسور، ينادي على الناس: مثلكم أنا يا ناس، شجاع مثلكم، ومثلكم لي قدمان ثابتتان على الأرض وظهر مستقيم وقامة طويلة ورأس في السماء، سعيد بشجاعتي مثلكم يا ناس. يعاد إلى جانبي يا عالم! صغيرة كعصا الراعي، جديدة كالحلم القديم!

عشت الأعوام العشرين لوحدي. عشتها بعيدًا عن يعاد. عشتها حتى الثمالة، حتى القعر. شربت كأسها المرّ كله وحدي. فلم يبق لها منه أيّة قطرة. أنقذتها من هذه السنوات العشرين المريرة، فبقيت يعاد صبية في العشرين وبدون عشريني. عادت إلي كما كانت، هي هي، تضحك وتبكي، تتحدّى وتحب، وتناديني: سعيد!

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت