فهرس الكتاب

الصفحة 166 من 234

ولو قارنا بين المشهدين لوجدنا تطابقًا كافيًا، إذ يذكّرنا المشهد الواحد بالآخر، سعيد مثل ديمتري متّهم بريء. يحدث معه ما يحدث مع سعيد، وهو قد خرج من السجن لتوّه، وفي سيارة تقلّه من مكان لآخر. وحلم ديمتري، وهو على وشك أن يدخل السجن، أنّه يجوب القرية في عربة يجرّها حصانان. كلا المشهدين ينتهيان برغبة عارمة في التوقيع على ما تيسّر. غير أنّ أبرز وجه لهذا التطابق هو تحوّل الذات الفردية عند كل من سعيد وديمتري إلى ذات جماعية تتفوّق إلى حدّ كبير على فرديّتها (التي لا تفقدها حتى في هذا التحوّل) ، وعلى المواقف العادية التي نعايشها يوميًا. إنّ ما يقوله فورستر في معرض تعليقه على ديمتري وشخصيات دستوفسكي بشكل عام ينطبق إلى حدّ كبير على سعيد وشخصيات إميل حبيبي. يقول فورستر"إنّ ديمتري كشخصية في حدّ ذاتها لا يعني الكثير ولا يصبح حقيقة لنا إلاّ من خلال ما يوحي لنا من إيحاءات تتعدّى الحدود الظاهرة لنا من شخصيته، وهذا يعني أنّ عقله ليس مؤطّرًا البتّة.. ولا نستطيع أن نفهمه إلاّ إذا رأيناه وهو يسمو فوق المألوف. لم يركّز دستوفسكي مثلًا على دوره وهو راقد فوق الصندوق الخشبي ولا وهو في أرض الأحلام، بل على صورته في مكان يلتقي فيه مع بقية الناس من بني البشر. إنّ ديمتري هو نحن جميعًا وهو الرؤية التنبؤية وفي الوقت ذاته الإبداع الفني للراوي... فهو الامتداد والذوبان والوحدة التي تتكوّن من خلال مشاعر المحبة والعطف في مكان يوحي به إلينا ربما لا يتّسع عالم الرواية... إنّ عالم شخصيات دستوفسكي ليس عالمًا مخفيًا ولا اليغوريا (شبه رمزي) ، بل إنّه العالم العادي الذي يشكّل عالم الرواية والذي يرجع في صداه إلينا..."

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت